الصفحة 98 من 159

قال مُحدثي: فاستدركَ بعضُ الحاضرينَ عليه؛ وقال: لقدْ حدَّثتَ عن عَجب!؛ غيرَ أن الذي رأيتُهُ أنا أعجبُ وأغْرب .. !.

قال: كنتُ يوما أسيرُ في سُوقٍ من أَسواقِ البلدة؛ وقد ازدحَمَتِ الأرْصفةُ بالمارّةِ بينَ غادٍ ورائح؛ وكلٌّ منهم يسعى في طَلَبِ حاجَتِهِ يرى أنها أَعَزُّ من حاجةِ غيرهِ وأولى؛ إذ سَمِعْتُ وقعَ ثقلٍ على الأرضِ؛ فالتَفَتُّ ناحِيَتَهُ؛ فإذا رجلٌ بِشارِبٍ! .. قدْ رُبِطَ عُنُقُهُ بِسِلْسِلَةٍ طَرفُها الآخَرُ بِيَدِ امرأةٍ تتقدّمُهُ وتقوده!.

والطريف في الأمر: أن المَقرُونَ بالسلسِلةِ قد جمعَ كفّيْهِ وجَعَلَ ظاهِرَهما مما يَلِي وجْهه؛ ورَصّ قدمَيهِ؛ وثنى قليلًا رُكْبتَيْهِ؛ وهو يَقفِزُ قفزًا على رِجْلَيْهِ؛ يُحاكي بذلك صَنيعَ الأرنب!!.

فما ملكتُ نفسي _ والذي ملكَ نَفْسي _ أنْ ضَحِكْتُ تَبَسُّمًا؛ وقلتُ مُعَلِّقًا: قلدَ الأرنَبَ في مِشْيَتِهِ وهَيْئَتِهِ؛ وعجِزَ عن التّشَبُّهِ به في محاسنِ صفاتِهِ!، وأستطيعُ أن أسردَ لكَ صَفَحَاتٍ وصفَحات في تفضيلِ الأرانبِ على الأَجانبِ، وعلى المُسَلْسَلِ المقرون!.

وأرى يا صاحِبي أنّ الأرانِبَ كثيرًا ما تُظْلَمُ في زَمانِنا هذا حينَ يَضْربُ بها الناسُ المَثَلَ في الذلّةِ والخُنُوع، ولو كانَ لي على الأرانِبِ سُلْطانٌ؛ أو كانَ لي إلى خِطابِها وَسِيلَةٌ كما كانَ لِسُلَيْمانَ عليهِ السلامُ لاقْتَرَحْتُ عليها رَفعَ دَعْوى في هذه المَظْلَمَة!؛ فإنّنِي لا أعْلَمُ في الأرانِبِ على حُسْنِ مَعْرفَتِي بها وبِتارِيخِها وطَبائِعِها وَصِفاتِها ونُظُمِها الحَياتِيّةِ والاجْتِماعِيّةِ أنّ عِكْرِشَةً (وهي أُنْثَى الأرنَبِ) تَقودُ أرنبًا ذكرًا!؛ ومنْ عُنُقِهِ أيضًا!!؛ أعوذُ بالله مِنْ أن أَفْتَريَ على الأرانِبِ ما لا يَكُونُ أبدًا!؛ والعُذْرُ لأُمّةِ الأرانبِ حُكُومَةً وشَعْبًا!!!.

بلْ لا أعْلَمُ عن الأرانبِ إلاّ أنها شَدِيدَةُ الغَيْرَةِ على إناثِها!؛ ولَقدْ رأيتُ مرةً أرنبًا أنْشَبَ أظفارَهُ في ظَهْرِ أرنبٍ آخر؛ وهو يَرفعُهُ ويضربُ به الأرضَ مَرّةً بعدَ أخرى لأنه حاولَ الاقْتِرابَ من أُنثاه!.

يَمْشونَ على وجُوههم:

رجعَ الحديثُ إلى رفيقينا وقال: ثم قاطَعَ المجْلِسَ ثالثٌ وأتى بِثالِثةِ الأعاجيب؛ ورَوى عن جِيرانٍ له من عِلْيَةِ أهلِ البلادِ وعُظَمائِهم إذا كانتْ أيامُ العَمَلِ من الأُسْبوع رَأيْتَهم في دُورِهِم ومَكاتِبِهم ومَراكِبِهم تُعْجِبُكَ أجسامُهمْ وإن يقولوا تَسمعْ لِقَوْلِهم، قد أُوتُوا من حُسْنِ الصورَةِ وجَمالِ الهَيْئَةِ ما تَخالُهُم مَعَهُ قد أخذوا بأطرافِ السعادَةِ وجمعوا منها ما تَنَاثَرَ وتَفَرّق!

فإذا آذنَ الأسبوعُ بالانْصِرامِ وبَقِيَتْ منه ليلتا السبتِ والأحد؛ رأيتَهمْ في تِلْكَ الليْلتَينِ عاكِفينَ على شَرابٍ لهم أَصْفَرِ اللونِ يَسوءُ الناظِرين؛ أقْرَبُ ما يُشَبّهُ بِهِ أكرَمَكُمُ الله كما سَمِعْتُهُ مِن بعِضِ الأُدَباءِ بَوْلُ أبي صابِر!؛ (وهي كُنْيَةُ الحمار) ؛ بَلْ إن بَعْضَ العُلُماءِ صَنّفَ في ذَمِّهِ كتابًا عَجَبًا، فلا يَزالونَ يَتَعاطَوْنَ مِنْهُ الكاسَ بعد الكاسَ؛ حتى يَميلَ العُنُقُ والراس!؛ وتَزيغَ منهم الأبْصارُ؛ وتَزِلَّ عن أماكِنِها العُقُول!.

قُلْتُ لٍصاحِبي مُداعِبًا: لا لَوْمَ عليكَ في تَشبيهكَ الذي ذكرتْ، فقدْ حدثني بعضُ من هداهمُ الله تعالى في تلكَ البلادِ؛ أنهم كانوا في جاهِلِيَّتِهم يُصاحِبُونَ قومًا من أولئك؛ فيدْخُلونَ دورَهمْ في غيابِهم، فيجِدُون دِنانَ الخَمرِ مَلأى؛ فيشْربونَ مِنها؛ ثم يَبولونَ فيها!؛ لئلاّ يعلمَ أصحابُ الدورِ أنهم شربوا منهاَ!؛ فهاتِ بَقيَّةَ القصة.

قال: فوالله الذي لا إله غيرُهُ ولا رب سواه؛ لقدْ رأَيتُ الواحدَ من هؤلاءِ يُغادِرُ عندَ الفجرِ من مَجْلِسِهِ ذاك فلا يَبْلغُ بابَ الحانَةِ حتى يَخِرَّ صريعًا لوَجهِهِ وفَمِهِ!؛ فَيُجَرَّ إلى منزِلِهِ جرًا؛ وهو في حالتِهِ تلكَ لا يَحولُ عنها ولا يَزولُ!!.

قال: فتلَوْتُ قولَ الله تعالى: {أفَمَن يَمْشي مُكِبًّا عَلَى وَجِْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

درسٌ بلا ثَمَن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت