بسم الله الرحمن الرحيم
أسمار_ عجائب وعِبر
حَمدًا لله؛ وبعْد:
فَإذا كانَتْ الناسُ تَتَحَدَّثُ مِنَ القدِيمِ أنَّ عَجائِبَ الدنْيا سَبْعٌ أو تَزيد؛ مِنْها حَدائقُ بابِلَ المُعَلَّقَةُ؛ والجامَعُ الأُمَويُّ الأعْظمُ في دِمَشْق!؛ فإنَّ زَمانَنا الذي نَعِيشُ فِيهِ يَصِحُّ أنْ يُسَمِّى والله (زَمَنَ الأعَاجِيبِ) !، ولَوْ كانَ أبُو الحَسَنِ المَسْعُودِيُّ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ البَغْدادِيُّ حَيًّا وأدْرَكَ ما نَحْنُ فِيهِ؛ لكانَ كِتابُهُ (عَجائبُ الدنْيا) ضِعْفَيْ ما هُوَ عَلَيهِ طَرافَةً وغَرابَةً، واللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتار.
ولَئِنْ عَجِبَ الناسُ مِنْ طَفْرَةِ إبْراهِيمَ بنِ يَسارٍ (سيّار) النَّظَّامِ المتَوَفّى سَنَةَ (231) ؛ رأسِ الطائِفَةِ المُبْتَدِعَةِ التي تُنْسَبُ إلَيْهِ وهِيَ مِنْ طَوائفِ المُعْتَزَلَةِ؛ حتى قِيلَ: مِنْ عَجائبِ الدنْيا طَفْرَةُ النظام!؛ فإنَّ فِي حَياتِنا مِنْ أَصْحابِ الطّفْرَة مِمَّنْ تَجاوَزُوا كُلَّ دينٍ وخُلُقٍ كَثِيرِينَ كانُوا سَبَبًا لِكُلِّ شَقاءٍ وبَلاء!.
فراخٌ في رأس امرأة:
وقدْ حدثنا رفيقٌ صَالِحٌ من الرفاقِ قبلَ بضعِ سنينَ خلتْ في بعضِ البلادِ الأوربيّةِ قال: كنا في مجلسِ سَمرٍ قبلَ أيامٍ وقد أخذ الحديثُ بنا في أوْديةٍ شتى؛ فقال واحدٌ منا: لو أنكم حَدّثتُمونا بِبَعضِ ما رأَيْتُمْ في هذه البلادِ من غرائبِ الصنائعِ ونَوَادِرِها؛ وأَحْوالِ الناسِ وبَوادِرِها؛ لِنَقطعَ الوقتَ فيما لا يَخلُو عن فائدةٍ وإن كانتْ تَرويحًا للنفسِ من عناء الحياةِ وتعَبها؛ شريطةَ أن لا يُجاوزَ ذلك حدودَ الأدبِ ولا ما يَتسامحُ الفضلاءُ في مثله؛ كما نبه عليه الماوَرْدِيُّ في أدبِ الدنيا والدين؛ فإنه متى كان كذلك بَعثَ الهِمَمَ؛ وشحذَ العزائمَ؛ وأكسبَ النفسَ خِفّةً ونشاطًا فاستأنَفَتِ الحياةَ قُدُما من جديد.
فقال قائل منهم: ركبنا القاطرةَ قبل أيام؛ والوقتُ وقتُ عملٍ وزحام؛ فلما صرنا إلى بَعضِ محطاتِ الطريقِ صَعِدَ إلى عَربَتِنا (ولك أن تقولَ إلى مَقطُورَتِنا) رَجلُ وامرأةٌ كِلاهما في مُنتَصفِ العِقدِ الخامِسِ من العُمر، وجلسا في المقعدِ المقابِلِ لنا، فلم أَسْتطعْ يا رِفاقُ الامْتِناعَ عن الضحِكِ حتى بدتْ نواجِذِي - خاصةً وأن الضحكَ من الحرياتِ! التي يَحْميها قانونُ تلكَ البلاد - حينَ رأيتُ المرأةَ وقد انتَصَبَتْ كلُّ شعَرةٍ من شعراتِ رأسها قائمَةً على قدمٍ وساقٍ؛ بَعْدَ أن أحكمَ الحلاقُ المُتَفَنِّنُ قصّهُ وتكْعِيبَ زَوَاياهُ وتَشذيبَ أَطْرافِهِ حتى صارَ على هيئةِ أشجارِ الزينَةِ التي تُحاطُ بها الحدائقُ وبَساتِينُ النزهة!؛ وقدْ صَبَغَهُ بِعَشَرةِ ألوانٍ أو يَزيد؛ وجَعلَ لكل قِطْعَةٍ منه لَونًا!؛ فَكأنّما يَحكي بَعْضَ ذلك العلامَةُ ابنُ الوَنّانِ حينَ يقولُ في الشمَقْمَقِيّةِ:
فابْتسمت أغْصانُها عن أبْيَضٍ ... وأحمرٍ وأصفرٍ وأزرقِ!!.
فقلتُ لمحدّثي مازحًا: العامّةُ في دوَلِ شرقِ آسيا يَصنَعُونَ هذا مع (كتاكيت) الدجاجِ حينَ تَخرجُ من بُيُوضِها؛ فَيَصْبِغُونَ كلَّ واحدٍ منها بِلونٍ بَرّاقٍ فاقعٍ؛ وفي رأسِ (المَحْروسَةِ) عَشَرةٌ من الصيصانِ كاملة!!.
الرجلُ الأرنب: