أسمار- دُعَاباتُ أبي الغُصْنِ!.
(قال أبو عَمْرو بن العلاء: اكتُبُوا الحِكْمَةَ وارْووها ولو عَنْ مَعْتُوه)
حمدًا لله؛ وبعدُ:
فأحسبُ أن هذا العُنْوانَ سَيُثِيرُ التَّساؤُلَ في أّذهانِ بعضِ القراءِ على الأقل، ورُبّما كانَ من المُسْتَغْربِ عِنْدَ آخَرينَ عَقْدُ مُسامَرةٍ (للدُعَابَةِ) في وَقْتٍ زَاحَمَ الجِدُّ فيهِ الجِدَّ؛ ولَمْ تُبْقِ تَكالِيفُ الحَياةِ وقْتًا (لِحَكِّ الرأسِ!) كما تَقُولُ العامَّةُ في المثَل! وأصْبَحَتِ اللحَظَاتُ والأَعْمَارُ تُقَدَّرُ عِنْدَ مُهَنْدِسي الحياةِ (بالدينارِ والدولار) !!، وأغْرَبُ من ذلكَ أن كثيرينَ من القُرَّاءِ سَيُفَاجِئُهُم ما حَظِيَ به أبو الغُصْنِ مِنَ الشهْرَةِ الواسِعَةِ والمَحْدِ المُؤَثّلِ العَريقِ بِدُعابَاتِهِ تِلك؛ وبِما تَحْويهِ مِنْ حِكَمِ الطَّرائفِ وطَرَائفِ الحِكَمِ!.
وأينَ مَحَلُّ (أَبي الغُصْنِ) بما حازَهُ مِنْ شُهْرَةٍ ملأَتْ ما بَينَ الخافِقَينِ مِمّا يَقَعُ لأهْلِناَ مَثَلًا في بِيتِ المَقدِسِ وأكنافِ بيتِ المَقْدِسِ من الأرضِ المُبارَكَةِ الطيبَةِ ولِسانُ حالِهمْ يُتَرْجِمُ عنهمْ فيقول:
خَرَجْنا إلى المَوْتِ شُمَّ الأُنُوفِ ... كما تَخْرُجُ الأُسْدُ مِنْ غابِها
نَسيرُ على شَفَراتِ السيُوفِ ... ونَأتِي المَنِيَّةَ من بابها
سَيَعْلَسمُ أَعْداؤُنا أنَّنا ... رَكِبْنا المَنايا حَنانًا بِها
ولولا أَنَّنِي أَتَّقِي بِحُلُمِ السادَةِ القُرَّاءِ أن تُصِيبَنِيِ سِهامٌ منَ اللوْمِ لا تُخْطِئُ لكانَ لي معَ هذه التسْمِيَةِ شَانٌ آخرُ.
سَمِيرٌ وابْنَاهُ:
وأَنا أََحِبُّ - كان الله لي ولكَ - أنْ تَجْنِيَ مِنْ حَدائقِ هذه الأسْمارِ قُطُوفًا دَانِيَةً، أما الكَلامُ فإنَّهُ - وللهِ الحمدُ - يَسْنَحُ لي سَهْلُهُ؛ ولا يَجْمَحُ علَيَّ وعْرُهُ، وأنا أتَخَيَّرُ مِنهُ إنْ شاءَ اللهُ ما رَقَّتْ حَوَاشِيهِ؛ وراقَتْ مَقاصِدُهُ ومَعانِيهِ، وَإِنَّما اخْتَرْتُ تَسْمِيَةَ حَديثِي إلَيكَ بِهذا الاسمِ لأنَّهم ذَكَرُوا أنَّ السمَرَ حَدِيثُ الليلِ خاصَّةً؛ وذلكَ حِينَ يَلْبَسُ الكَوْنُ ثِيابَ الراحَةِ والدَّعَةِ، وتَسْكُنُ الخلائقُ إلاّ ما شاءَ اللهُ تَعالَى!، (وقيلَ: بلْ أَصلُ السمَرِ: ضَوْءُ القَمَر؛ لأنّهم كانُوا يَتَحَدَّثُونَ فيه!) ، ورأَيْتُ أنَّ ذلكَ أَدْعَى لِقُبُولكِ؛ وأَرْوَحُ لِنَفْسك، وأَرْجَى لِفَوْزِك!؛ فإنّنِي لا أُعْلَمُ عَنكَ إلا أَنكَ وابْنا سَمِيرٍ (وسميرٌ هو الدهرُ؛ وابْناهُ هما الليلُ والنهار) كفَرَسَيْ رِهانٍ، فإما لكَ وإما عَليك!.
ومِن مَقاصِدِ هذه (المُسامَرات) ما يتَعَلَّقُ بإفهامِ الناسِ كثيرًا من الحَقائقِ التي أفلَ نَجْمُها مِنْ حَياتِ كَثِيرينَ، ولَعَلَّها - ولو بَعْدَ مُحاوَلاتٍ عديدةٍ - تُشْرِقُ شَمْسُها عَلَيْهم مِن جديد؛ بعْدَ أن احتَجَبَتْ عَنْهمْ بِعَساكِرِ الأَهْواءِ وَالْفِتَنِ والنفُوسِ الأمَّاراتِ بالسوء والجُنْدِ المُرْصَدِينَ مِنْ شياطينِ الثَّقَلَينِ!؛ ولا سَبِيلَ لِخَرْقِ هذهِ الحُجُبِ إلا بِالتّحَيُّلِ المَشْرُوعِ في إبْلاغِ الحقِّ للخَلْقِ؛ و (الحَرْبُ خَدْعَةٌ) كما تَواتَرَ به النقلُ عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فإنْ طالَتْ بِنا الحَياةُ - والأيامُ دُوَلٌ - شافَهْتُكَ والسامِرَةَ (وهم جَماعَةُ السُّمَّار) بِهَذه الأسْمارِ - إنْ شاءَ الله تَعالَى - هُناكَ في بَيْتِ المَقْدِسِ زَادَهُ الله شَرَفًا؛ وقدْ أشْرَقَت الشمْسُ مِنْ مَطْلَعِها؛ وعادَتْ الأُمُورُ إلى مَنْزَعِها؛ وأَخَذَ القَوْسَ بارِيها؛ وسَكنَ الدارَ بَانِيها.