الصفحة 42 من 159

واعْلَمْ بأنَّ (السامِرَةَ) لَفْظَةٌ تَطْلَقُ أَيْضًا على غيرِ المَعْنى الذي أَشَرْتُ إليه؛ وهُوَ مَعْنَىً لا أَقْصِدُهُ قَطْعًا؛ فَيُرادُ بِها قَوْمٌ من اليَهُودِ مِن قَبائلِ بني إسرائيلَ، يُخالِفُونَهمْ (أي اليهودَ) في بعضِ أحْكامِهم؛ كإنْكارِهم نُبُوَّةَ مَنْ جاءَ بعدَ مُوسَى عليه السلامُ!؛ وزَعْمِهمْ أن نابُلْسَ هي بيتُ المَقْدِس!، وهم صِنْفانِ: الكوشانُ والدُّوشان؛ وإليهم يُنْسَبُ السامِريُّ الذي عَبَدَ العِجْلَ!.

وذكرَ العلامَةُ المُرْتَضى الزبِيدِيُّ مُصنفُ تاجِ العَروس المُتَوفَّى سنةَ (1205) للهجْرة قال: وأكثرهم في جَبَل نابُلُس؛ وقد رأيتُ منهم جماعةً أيام زِيَارَتِي للبَيْت المُقَدس؛ ومنهم الكاتِبُ الماهر المُنْشِئ البليغ: غَزَالٌ السّامِرِي ذاكَرَنِي في المَقَامَاتِ الحَرِيرِية وغيرها وعَزَمَنِي إلى بُسْتَان له بثَغْرِ يافا؛ وأَسلَم وَلَدُه وسُمِّيَ مُحَمَّدًا الصادق وهو حي الآنَ.

وقد ذكرَ الإمامُ ابنُ حجَرٍ العَسْقَلانِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ مِمّنْ أَسْلَمَ من اليَهُودِ السامِرَةِ شِهابَ الدينِ السامِرِيَّ رَئيسَ الأطِباءِ بِمِصْرَ؛ أسلمَ على يَدِ الملكِ الناصرِ؛ وكانَ فيه فَضيلَة. انتهى.

واللهُ أَضْحَكَ وَأَبْكى:

وذلكَ سِرٌّ مِن الأسرارِ التي يَنْطَوي عليْها خَلْقُ الإنسان؛ وقَدْ قِيلَ إنَّ الله تعالى مَيزّ الإنسانَ بالضحكِ والبُكاءِ مِنْ بينِ سائرِ المَخْلُوقات!؛ وقيل: إنَّ القِرْدَ يَضْحَكُ ولا يَبْكي!؛ والإبلَ تَبْكي ولا تَضْحك!، ولمْ يَجْتَمِعا إلاّ في ابنِ آدمَ!.

هكذا قيل؛ لكنّني وجَدْتُ في الموسوعاتِ العِلْمِيَّةِ ذِكْرًا لطائرٍ سَمِينٍ رَمادِيِّ اللونِ؛ يَبْلغُ طُولُهُ نَحْو (46) سَنتيمِتْرًا؛ يُدْعَى (الحَمارَ الضاحِك) !؛ وذَكَرُوا أنَّهُ سُمِّيَ بذلكَ لأن صَيْحاتِهِ تُشْبِهُ الضحك!؛ ويُطْلَقُ عليه في الإنجِليزيَّةِ اسمُ ( Kookaburra) ؛ وهو اسمٌ مَشْتَركٌ لأربَعَةِ أنواعٍ من الطيورِ تَعِيشُ في اسْتُراليا وغِينْيا الجديدة.

قالوا: وَمِنَ العَجَبِ أنه لا يَعْلَمُ أحدٌ قَبْلَ وقتِ الضحِكِ أو البُكاءِ أنه يَضْحكُ أو يَبْكي!؛ ولا أنهُ يأتيهِ ما يُعْجِبُهُ أو يُحْزِنُهُ؛ ولو قيل لهُ حالةَ الضحكِ أنّهُ بعْدَ ساعَةٍ يَبْكي لأنكرَ ذلك!؛ وربما أَدْرَكَهُ ما أبْكاهُ في وقتِ الضحكِ؛ أو أَضْحَكَهُ في وَقْتِ البُكاء!.

وأعجبُ من هذا أن الإنسانَ يضحكُ غَدًا مما أَبْكاهُ اليوم، ويَبْكِي اليومَ مما أَضْحَكَهُ بالأَمْسِ في غَيْرِ جُنُونٍ ولا ذُهُول!.

وقالُوا أيْضًا: تَعْليلُ الضحكِ بَقُوةِ التَّعَجُّبِ غَيرُ صَحيح، لأنَ الإنسانَ رُبَّما بُهِتَ عندَ رُؤْيَةِ الأمُورِ العَجِيبَةِ ولم يَضْحَك!. وكذلك التعْليلُ بِقُوة الفَرَحِ لأنّهُ قدْ يَبْكي!.

حُلْوٌ ومَالِحٌ:

ولا ضَيْرَ فهكذا هو شَانُ الحياةِ!؛ شانٌ لا يَنْقَضِي مَعَهُ العَجَب!، لا مُغَيِّرَ لِنافِذِ القَضاءِ والحُكْمِ؛ ولا مُبَدِّلَ لسابقِ العِلِمِ، يَخْتَلطُ فيها الفرحُ والحُزْنُ؛ والأمَلٌ والألمُ؛ والسعادَةُ والبُؤْسُ؛ والغِنَى والفَقْرُ؛ والرّخاءُ والشدَّة، كما يختلطُ فيها العِلمُ والجَهلُ؛ والحياةُ والمَوْتُ، وكما يختلطُ فيها الأبْيَضُ والأسْودُ؛ واللَّيِّنُ واليابِسُ؛ والحُلْوُ والمالِحُ؛ وأمْثالُ ذلكَ، وكما يَخْتَلِطُ فيها الجِدُّ والهَزْلُ ولا فَرْقَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت