الصفحة 43 من 159

وتَجِدُ هذا في طَبائِعِ الناسِ كما تَجِدُهُ في المَعَانِي التي حَوْلَكَ؛ لأنَّ الناسَ أشْبَهُوا في ذلكَ أُمَّهُمُ الأَرْضَ التي خُلِقُوا مِنْها!، وفي الأرْضِ السهلُ والحَزْنُ؛ والفَسيحُ والضيِّقُ؛ والمُرْتِفِعُ والمُنْخَفِضُ؛ والأبْيَضُ والأسْوَدُ، وعلى هذهِ الجَدِيلَةِ اخْتِلافُ الألْسِنَةِ والأَلْوانِ؛ وكانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَقْدورا.

وأَعْقَلُ الناسِ مَنْ عَاشَ الحياةَ عَلَى ما خَلَقَها الله تَعالَى عَلَيْهِ؛ فَعَرَفَ حُلْوَها ومُرَّها؛ وحَسَنَها وقَبِيحَها؛ وأَعْطَى كُلَّ مَعْنَىً مِن مَعانِيها حَقَّهُ الذي أَعْطاهُ لَهُ رَبُّهُ وخالِقُه؛ لا يَزِيدُ عَلَيْهِ ولا يَنْقُصُ مِنْه، ولَمْ يَطْلُبْ مِنَ الدنْيا حالًا واحِدًا لا تَحُولُ عَنْه؛ وإلاّ كانَ الإنْسانُ إذْ يُكَلِّفُ الأشْياءَ ضِدَّ طِباعِها كَمَنْ يَطْلُبُ في المَاءَ جَذْوَةَ نار!؛ وفَهْمُ هذا النامُوسِ الكَوْنِيِّ مِنْ أعْظَمِ أسْبابِ السعادَةِ التي ضلَّ عَنْها كَثِيرٌ مِن الناسِ!.

وَوَرَاءَ الدُّعابات أسْرارٌ دَفينَة:

فليْسَتْ هي - ما دَامَتْ تَسلُكُ سَبيلَ الأدَبِ - للتَرْويحِ عن النفسِ من كَبْتِ الحَياةِ وأثقالِها فَحَسْبُ.

بل تَحْمِلُ في أطْوائِها (أنْحائِها) الحِكْمَةَ العِلْمِيَّةَ والعَمَليَّةَ؛ وخُلاصَةَ دَرْسٍ مِن دُروسِ الحياةِ!.

وقَبْلَ هذا وذاك فَهِيَ تَعْبِيرٌ عَمَّا تُكِنُّهُ ضَمائرُ الأُمَمِ والشعُوبِ مِنَ المَشاعِرِ والأَحَاسيسِ؛ وما تَصُوغُهُ في دَوَاخِلِها مِنَ المَبادئِ والأفكارِ، على وَجْهِ يَتَجَرَّدُ عن الزّمانِ والمَكان؛ بِعِيدًا عَن سِحْرِ الدِّعايَةِ وبَريقِ التلفيقِ والتّزْوير.

وشانُها في ذلك شأنُ ما يَرُوجُ في الأُمَمِ مِن الرُّؤى المَنامِيَّةِ والأقاصيصِ والأمْثالِ؛ حتى قيل: ألْسِنَةُ الخَلْقِ أقلامُ الحقِّ!.

والحقُّ أن كثيرًا منها يَجْري مَجرى الأمْثالِ التي قِيلَ فيها: هيَ حِكْمَةُ الشعبِ وتاريخهُ وَوِجْدانُه؛ وهي الوجْهُ الصادقُ لِحياةِ الأُمم والشعوبِ، تَحْوِي خُلاصَةَ التجارِبِ العَميقَةِ التي تَمَرّسَتْ بها خِلالَ تاريخِها، وهِيَ خُلاصَةُ مُعاناتِها وشقائها؛ وسَعادَتِها وغَضَبِها ورِضاها.

ويُقالُ - على سَبيلِ الإحاطَةِ بأطرافِ ما نَكْتُبُ فيه - إِنَّ (الكُومِيدْيا) التي نَشأَتْ في (أثينا اليونان) في القَرْنِ الخامِسِ قَبْلَ الميلادِ وُجِدَتْ للتّعْبِيرِ عَنْ مَكْنُوناتِ الضمائرِ كما ذكَرْنا في الدعَابات؛ وكانَتْ تَدُورُ في بدَاياتِها حَوْلَ معاني الحياةِ والمُعْضِلاتِ المُتَعَلِّقَةِ بالوجُودِ الإنساني، ثم انتقلتْ إلى (الكُوميدْيا) الجديدةِ التي تَعْتَمِدُ النقْدَ القاسِيَ الصريحَ في القرنِ الرابعِ قَبْلَ المِيلاد، ثم إلى (الكوميديا) الصامِتَةِ في القرنِ الثانِي قَبْلَ الميلاد، وفي العصُورِ الأورُوبِيَّةِ الوسْطى أُدْخِلَتْ فَواصِلُ هَزَلِيَّةٌ إلى القصصِ التوراتِيَّةِ مِمّا شَوّشَ على كثيرٍ مِنَ المَفاهيمِ في الديانَةِ النصرانِيَّة!، إلى أن جاء ( Ben jonson) في القَرْنَينِ السادس عَشرَ والسابعِ عَشرَ ... - وكان مُعاصِرًا ل (شَكْسْبير) - وقدّمَ نَظَريَّةً حَوْلَها مُشْتَقَّةً مِنْ عِلْمِ وَظائِف الأعْضاء الإنسانيِّ وعِلْمِ النفْسِ؛ اسْتَنَدَ فِيها إِلَى ما كانَ سائِدًا في وَقْتِهِ مِنْ أَنَّ الجِسْمَ يَحْوي سَوائِلَ أَرْبَعَةً يَتَحَكَّمُ تَوازُنُها ونِسْبَتُها في الأدَاءِ المِثالِيِّ للجِسْمِ والعَقْلِ فِي الإنْسانِ، وفي القَرْنِ الثامِنِ عَشر نَشأتْ في بريطانيا (كومِيديا الأساليب) وأَصْبَحَتْ بابًا لِنَقْدِ كَثِيرٍ مِنَ المَظاهِرِ المَرْفُوضَةِ في الحَياةِ المُعَاصِرَة!!، ثم حَصلَتْ تَطَوُّراتٌ لها في القَرْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ ضَرَبْتُ عَنهُ الذِّكْرَ صَفْحًا.

وَوَجَدْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ؛ وأَظُنُّهُ عن هارونَ الرشيدِ أنه قال: النوادِرُ تَشْحَذُ الأَذْهانَ؛ وتَفْتِقُ الآذان!.

وقال حمادُ بنُ سَلَمَةَ: لا يُحِبُّ المُلَحَ إلاَّ ذُكْرانُ الرِّجالِ؛ ولا يَكْرَهُها إلاَّ إناثُهُم!!.

وما عَلَيكَ لَوْ جَمَعْتَ إلى الترْويحِ عَنِ النفْسِ خُلاصَةَ الحِكْمَةِ ولُبابَها؛ وأنْتَ تَرى الزارِعَ يُمَتِّعُ ناظِرَيْهِ بِحُقُولِ القَمْحِ وَسنابِلِهِ الذهَبِيَّةِ ولَيْسَ يُغْنِيهِ ذلكَ عنْ جَنْيِهِ وحصادِهِ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت