فَخْذْ إذنْ مِنَ الطرائِفِ ما تُرْشِدُكَ إلى التَّعَلُّمِ مِنْ نَظَائِرِها؛ حتّى إذا ما مَلَكْتَ زِمامَ الدُرْبَةِ والمِراسِ؛ ورُزِقْتَ حَصافَةَ الرأيِ وَوَفْرَةَ الحِجَى؛ وذكاءَ القَلْبِ؛ ونَفاذَ البَصيرَةِ!؛ صَنَعَتْ مِنْكَ - بإذنِ الله - في مَيْدَانِ الحِكْمَةِ سَبَّاقَ غاياتٍ وَمُدْرِكَ نِهَايات.
طُرْفَةُ المَلِكِ والهَنادِكَة:
وقدْ حُكِيَ أنّ بَعْضَ الظَلَمَةِ من المُلُوكِ لَمَّا ماتَ حَضَرَ جَنازَتَهُ جَمْعٌ كبيرٌ مِنَ المُلُوكِ والأعْيانِ؛ فَرَوَّجَ شَعْبُهُ المَظْلُومُ قِصَّةً في جَنازَتِهِ جاءَ فيها أنّ بَعْضَ أعْيانِ الهَنادِكَةِ حَضَرَ مَراسِمَ الدفْنِ، وكانَ الهِنْديُّ يَنْتِظرُ حَرْقَ الجُثَّةِ كَما جَرَتْ بِهِ العادَةُ عِنْدَ كَفَرَةِ الهِنْدِ في جَنائِزِهم!؛ فَلَمَّا صِيرَ بالجُثَّةِ إلى القَبْرِ ولم يَرَ الهِنْديُّ مِنْ ذلكَ شَيْئًا؛ سَألَ بَعْضَ الحُضُورِ مِنْ أَعْوانِ المَلكِ عن ذلكَ؟!؛ فقالَ له: الأَمْرُ عِنْدَنا على خِلافِ ما هُوَ عِنْدَكُمْ؛ فالحَرْقُ عِنْدَكُمْ أولًا والدفنُ ثانيًا، أما عِنْدَنا فالدفنُ أوّلًا؛ ثمّ الحرْقُ في القَبْرِ ثانِيًا!!.
وأَمْرانِ سِيَّانِ عَلى لِدَةٍ واحِدَةٍ أنْ تَكونَ القِصَّةُ صحيحَةً في نَفْسِ الأمرِ أم رَوَّجَ الناسُ لها تَفَكُّهًا وتَنَدُّرًا، فذلك مِن الأُمَّةِ نَفْثَةُ مَصْدُورٍ وصَرْخَةُ مَكْلُومٍ، عُبِّرَ عَنْها في صُورَةِ الدُّعابَةِ؛ وهو الشُّعُورُ الجَمْعِيُّ الذي لا يَقْبَلُ التحريفَ والتبْديلَ.
كُلُّنا حَمَامِيزُ الله!!.
كذلكَ ما يُحْكى في الطرائِفِ مَثَلًا أنّ رَجُلًا صَحبَ وَلَدًا لهُ إلى السوقِ، فلَمّا كانا هُناكَ سَمِعا رَجُلًا يُنادِي صَبِيًا يَقولُ: يا عَبْدَ الله!؛ فأجابَهُ الصبِيُّ بِقَوْلِهِ: يا عَمُّ؛ كُلُّنا عَبِيدُ الله فأيَّ عَبْدٍ تُريدُ؟!، فقالَ الرجلُ مُنَبِّهًا ولَدَهُ ومُعَلِّما: انظُرْ يا بُنَيَّ إلى ما يَقُولُ الغُلامُ المُباركُ!.
فَلَما كانا مِنَ اليَوْمِ التالي وهما في ناحِيَةٍ مِنَ السوقِ سَمِعَ الصبِيُّ رَجُلًا يُناديهِ؛ يا حَمْزَةُ!؛ فبادَرَهُ بِقَوْلِهِ: يا عَمُّ كُلُّنا
حَمامِيزُ اللهِ؛ فأيَّ حَمْزَةٍ تُريدُ؟!!، فقالَ أبُوهُ: أُسْكُتْ يا مَنْ أَخْمَدَ اللهُ بهِ ذِكْرَ أبِيهِ!.
فتأَمَّلْ فيما انْطَوَتْ عَليهِ هذه الحِكايَةُ مِنَ:
1 -الإشارَةِ إلى النِّعْمَةِ بالولد ...
2 -وإلى التَّفاوُتِ في مَراتِبِ هذه النِّعْمَةِ ...
3 -وأنَّ العُقُولَ مَراتِبٌ مُتَفاوِتَةٌ أَيْضًا ...
3 -وأَنَّ الأَخْلاقَ مِنها ما هُوَ جِبِلِّيٌّ فِطْرِيُّ؛ ومِنْها ما هُوَ كَسْبِيٌّ تَحْصِيلِيٌّ كما هُوَ مَذهَبُ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَماء، وخِلافًا لِما قِيلَ مِنْ أنَها كَسْبِيَّةٌ فَقط كما ذهبَ إليه جَمْعٌ منَ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ مِنْ أمْثالِ الفارابِيِّ وابْنِ سينا؛ ومِنَ المُتأخّرين مِنْ أمثالِ (مانْدِفِي؛ ت:1733) ؛ و (تُومَاسْ هويز؛ ت:1796) .
4 -وأنَّ الوَلدَ الصالحَ الفَطِنَ مِنْ أعظم نِعْمِ الله على العَبد؛ وفي تَرْجَمَةِ الإمامِ الكَبيرِ ابنِ الجَزَريِّ الشافِعِيِّ مِنْ طَبقاتِ الحُفاظِ للسيوطي (ص:467) أنَّ والِدَ الجَزريِّ كانَ تاجِرًا ومَكثَ أرْبَعينَ سَنَةً لا يُولَدُ له؛ فلما حجَّ شربَ من ماءِ زَمْزَمَ ونَوَى حُصُولَ الوَلدِ؛ فأعْطاهُ الله ما تَمَناهُ في هذا الابنِ السعيد!.
5 -وما جَعَلَ الله تَعَالَى في الوالِدِ مِن المَحَبَّةِ لِوَلدِهِ والشفقَةِ عليهِ حَتَّى إنَّهُ يُحِبُّ أنْ يَكَونَ فَوقَهُ وأَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً وفِطْنَةً وذَكاءً؛ ولا يُحبُّ ذلكَ لأحَدٍ سِواهُ!؛ مِمَّا يَدُلُّكَ على سِرٍّ مِنْ أَسرارِ الحياةِ وبَقاءِ النوعِ الإنسانيِّ فيها إلى ما شاءَ الله تعالى.