بِسمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحيم
أَسْمار - سِرُّ صِنَاعَةِ الحَياةِ!.
(النَّاسُ في طَلَبِ الحياةِ وهاهنا ... سِرٌّ لها خافٍ وكنزٌ مُقفَلُ)
الحمْدُ للهِ؛ وبَعْد:
فَفِي أَوائِلِ النِّصْفِ الثانِي مِن ثَمانِيناتِ القَرْنِ الماضِي رَأَى الصاحِبُ أُمًّا تَحْمِلُ طِفْلَيْنِ لَها فِي حِجْرِها؛ وهِي تَنْزِلُ بِهِما زَحْفًا - بِسَبَبِ ما أصابَها مِن الإعْياءِ والتّعَبِ - مِن أعلَى الجَبَلِ الذِي كَساهُ الثَّلْجُ فِي أوائلِ شُهُورِ الشتاءِ القاسِيَةِ فِي بِلادٍ تَكادُ تَكُونُ فِي مَعْزِلٍ عَن العالَمِ بأسْرِهِ!؛ وخَلْفَ الأمٌّ أرْبَعَةٌ أو خَمْسَةٌ مِن الصِّبْيَةِ علَيْهِم ثِيابٌ لا تَقِي مِن حَرٍّ ولا قَرٍّ؛ وإنّما تَقِيهِمْ أعْيُنَ الناظِرِينَ ولا غَيرَ، ومِن وَراءَ الصِّغارِ شَيْخٌ قارَبَ الستِينَ مِن العَمُرِ عَلَى حِمارٍ يَتَساوَكُ هُزَالًا، فَرُبَّما كانَ الشيْخُ جَدَّ الصِّبْيانِ أوْ والِدَهُمْ؛ اللهُ أعْلَمُ أيَّ ذلكَ كانَ.
وجَهٌ آخَرُ مِن الدَّرْس:
هذِهِ القِصّةُ واحِدَةٌ مِن قَصَصٍ لا تَنْتَهِي فِي حَياةِ الأَفْرادِ والاُمَمِ، فانْتِقالُ الإنْسانِ مِن مَكانٍ إلَى آخَرَ؛ وتَجَشُّمُهُ الصعابَ بَحْثًا عَن حَياةٍ أفْضَلَ جُزْءٌ من الطَبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ التِي جُبِلَ علَيْها؛ حَتَّى إنَّهُ لَو أرادَ الخُرُوجَ عن ذلكَ أَعْيَتْهُ الحِيلَةُ؛ وأسْلَمَتْهُ الجِبِلّةُ إلَى ما جَعَلَهُ اللهُ تعالَى قَانُونًا للحَياةِ لا مَحِيدَ عَنْهُ، طَوْعًا كانَ ذلكَ مِنْهُ أوْ كَرْهًا!.
والناسُ قَد اعْتادَتْ أنْ تَقْرَأَ المَأسْاةَ فِي هذِهِ الحَوادِثِ وأَمْثالِها كُلَّما سَمِعَتْ مِثْلَها أَوْ تَذكَّرَتْها، لأنَّ الإنْسانَ مَنْ جِهَة؛ وماضِيَهُ وحاضِرَهُ مِن جِهَةٍ أُخْرَى كُلٌّ واحِدٌ لا يَتَجَزَّأُ؛ وما الفَصْلُ بَيْنَهُما إلاَّ كالفَصْلِ بَيْنَ وَجْهَيِ الدِّرْهَمِ أَوالدِينارِ.
والناسُ مُحِقُّونَ فِي ذلكَ؛ ولَيْسُوا فِيهِ بِمَلُومِينَ، أمّا أنا - (عائِذًا باللهِ تعالَى مِن التَّشبُّعِ بِما لَمْ أُعْطَ) - فَأحِبُّ - كَما أَلْمَحْتُ من قَبْلُ فِي بَعْضِ هَذهِ المُسامَراتِ - أنْ أسْلُكَ فَوقَ مَسْلكِ الناسِ مَسْلَكًا آخَرَ لَمْ يَعْتادُوهُ لأرْتادَهُ لَهُمْ؛ فَأكُونَ بِذلكَ وإياهُمْ كَمَنْ اصْطادَ (صَيْدَينِ بِرَمْيَةٍ واحِدَةٍ) كما يُقالُ فِي المثَلِ السائر.
الحِكْمَةُ فِي كُلِّ شَيءٍ حَوْلَنا!؛ ولكنْ مَن ذا الذِي يَتَأمَّلُ فِيها ويَقْرَأُها؟!؛ ومِنْ أعلاهَا ما كانَ قاعِدَةً مُطَّرِدَةً تَتَحاكَمُ الحَياةُ إلَى أُصولِها؛ ولا تَخْرُجُ الأمَمُ عَن هُداها.
تأمَّلْتُ - وتَأمَّلْ أنتَ أيْضًا - ما فِي هذهِ القَصَصِ والحَوادِثِ مِن حَرَكَةٍ دَؤُوبٍ؛ فَإذا بِها حَرَكَةُ الحَياةِ!، وإذا الانْتِقالُ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ؛ ومِن بَلْدَةٍ إلَى أُخْرَى؛ ومِن مَوطِنٍ إلَى مَوْطِنٍ سُنَّةُ الكائِنِ الحَيِّ علَى امْتِدادِ التارِيخِ.
والأحْياءُ كُلُّها! - الإنسانُ وغَيرُهُ - تَشْتَرِكُ فِي أَصْلِ هِجْرَةٍ واحَدَةٍ لا مَفَرَّ لِحَيٍّ مِنْها، هِيَ الانْتِقالُ مِن دارِ الدنْيا إلَى دارِ الآخِرَةِ؛ ومَن كانَ فِي شكٍّ مِن ذلكَ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَينَ أنْ يُصَدِّقَ بِهِ إلاّ أنْ يَمُوتَ.
وإذا كانَتِ الحَياةُ كُلُّها هِجْرَةً كُبْرَى يَلِجُ الحَيُّ إلَيْها مِن بابٍ لِيَخْرُجَ مِن آخَرَ!؛ فَلا عَجَبَ إذنْ أنْ تَنْدَرِجَ تَحْتَ هَذهِ الهِجْرَةِ هِجْراتٌ أُخْرَى؛ تَتَعَدَّدُ فِيها الأسْبابُ والغاياتُ؛ وتَشتَرِكُ فِيها - اشْتِراكَها فِي الحَياةِ - جَمِيعُ الكائِناتُ!.
عُرِفَتْ مُنْذُ بداياتِ التارِيخِ هِجْرَةُ الجَماعاتِ البَشَرِيَّةِ، ولا يَزالُ ذلكَ قانُونًا يَحْكُمُ الأمَمَ والمُجْتَمعاتِ إلَى يَوْمِنا هذَا، ولَنْ يَزالَ ذلكَ ما دامَ علَى وَجْهِ الأرْضِ عِرْقٌ يَنْبِضُ، والجامِعُ لأسْبابِ هذهِ الهِجْراتِ وغاياتِها حَصُولُ مَرْغُوبٍ أوِ