الصفحة 152 من 159

بسمِ الله الرّحْمنِ الرَّحيم

فاتِحَةُ الأسْمار.

الحمدُ لله الذي هَدانا إلى أقْوَمِ سَبيل، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ خَيْرٍ مُرْشِدٍ ودَليل، وعَلى آلِهِ وصَحابَتِهِ الذينَ شَمِلَهُم رِضْوانُ اللهِ تعالى كما فِي مُحْكَمِ التنْزِيل.

أما بعْدُ:

فَفي هذه المُسامَراتِ طُرَفٌ ونَوادِر؛ وأَخْبارٌ وعِبَر؛ وفِقْهٌ وسِياسَةٌ؛ وتَجْرِبَةٌ وحِكْمَةٌ، يَسْتَذْكِرُ العالِمُ بِما انْطَوَتْ علَيْهِ مَعانِيها مِن الأسْرار، ويَقِفُ المُتَعَلِّمُ علَى ما يَاخُذُ بِيَدِهِ في مَدارِجِ الاعْتِبار.

قَصَدْتُ فِي وَضْعِها مُخَاطَبَةَ العامَّةِ مِنَ المُسْلِمينَ ابْتِداءً؛ وطَبَقَةَ (المُثَقَّفِينَ) مِنْهُمْ خُصُوصًا، وجَعَلْتُها عَلَى الطريقَةِ التي يُوحِي بِها اسْمُها؛ فِهِيَ مَجالِسُ عَديدَةٌ؛ كلُّ مَجْلِسٍ مِنْها يَصْلُحُ (سَمَرَ ليلَةٍ!) ؛ وسلَكْتُ فِيها مَسْلَكَ الترْغِيبِ ... والتشْوِيقِ!؛ فَلا يَشْرَعُ القارئُ فِي جُمْلَةٍ مِنْها حَتَّى تَدْعُوَهُ إِلَى التي تَلِيها، فإذا بِهِ فِي رَوْضٍ أَرِيضٍ؛ بَيْنَ نَثْرٍ وقَرِيضٍ!؛ فَلَيْسَ يَنْقَلِبُ عنْها إلاَّ وَقَدْ اتَّسعَ صَدْرُهُ وانْشَرَح؛ وامْتَدَّ بِساطُ الأَمَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ وانْفَسَح؛ وكانَ عَلى ثِقَةٍ - إن شاءَ الله - مِنْ أنّ دِينَ الإسْلامِ لا يَزالُ السبِيلَ الأَوْحَدَ لِخَلاصِ المُسْلِمِ بلِ الإنْسانِ والبَشَرِيَّةِ كُلِّها مِنْ دَرَكاتِ الشقاءِ التي أَوْدَتْ بِها إلى ما نَراه!!.

إنَّ مِنَ الأُمُورِ التي يَنْبَغِي أنْ يُولِيَها العُلَماءُ والدُعاةُ المُصْلِحُونَ العِنايَةَ البالِغَةَ تَقْرِيبَ مَفاهِيمِ الإسْلامِ لأُمَمٍ لا يُحْصِيها غَيْرُ خالِقِها مِنَ المُتَعَلِّمِينَ المُسْلِمِينَ؛ و مَن اصْطَلَحَ الناسُ فِي عَصْرِنا عَلى تَسْمِيَتِهِم بالمُثَقَّفِين!، لِما لِهؤلاءِ مِن المَكانَةِ بَيْنَ الناس؛ ولأَنَّ تأثيرَهم على العامَّةِ بِالمَحَلِّ الذي لا يَخْفَى؛ حَيْثُ يَنْتَظِمُ صَلاحُ الواحِدِ مِنْهمْ صَلاحَ كثِيرٍ مِنَ الخَلْقِ؛ واللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيم.

والعِلّةُ الكُبْرَى هُنا أنَّ الفِصامَ بَيْنَ الدينِ والحَياة الذي تَسَربَ إلى المُسْلمينَ وطالَ عَلَيْهِمْ أَمَدُهُ قَدْ خَلَقَ فِي نُفُوسِ القَوْمِ وأذْهانِهم صُورَةً ناقِصَةً مُشَوّهَةً عَنْ دَعْوَةِ الإسْلام؛ زادَها قَتامًا مَكْرُ عَدُوِّنا وما يَصْنَعُهُ مِنَ الكَيْدِ مِنْ جِهَةٍ!، وَعَجْرُ كثِيرٍ مِنْ خِطاباتِ الدعاةِ والمُصْلِحينَ عَنْ إيقافِ الناسِ عَلَى حَقائقِ الأمُورِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى!.

ثُمّ لَمْ تَلْبَثْ المَعْرَكَةُ بينَ الحقِّ والضلالِ أن احْتَدَمَتْ؛ وعَادَتْ الحَرْبُ سِجالا، ولَزِمَ كُلٌّ فَرِيقٍ عُدْوَتَهُ، وكُلُّهم قدْ ناءَ بِما حَمّلَ بِه نَفْسَه، يَبْذُلُ في نَصْرِ ما انْتَصَبَ لَهُ جُهْدَهُ فِي يَوْمٍ عَصِيب، ويَسْتَفْرِغُ الوُسْعَ في كَسْبِ الأنْصارِ والأعْوان!؛ {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} .

ولَقَدْ كانَ منْ لازِمِ الإعْدادِ الذي أَمَرَ اللهُ بهِ أنْ يُخاطَبَ الناسُ بِما يَعْرِفُونَ وما يَعْقِلُونَ؛ إذْ لِكُلِّ زَمانٍ لِسانٌ يَخْتَصُ بِه؛ كما كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ لِسانٌ يَخْتَصُّ بِهِم، وذلكَ أدْعَى مَعَ حُسْنِ النيَّةِ إلى قُبُولِ دَعْوَةِ الحقِّ وانْشراحِ الصدُورِ بِها.

وثَمَّةَ فارِقٌ واضِحٌ مُعْتَبَرٌ بَيْنَ مُخاطَبَةِ المَدَنِيِّينَ أبْناءِ المُجْتَمَعاتِ المَدَنِيَّةِ؛ وبَيْنَ الذينَ لَمْ تَخالِطْهُمْ طَراوَةُ الحَضارَةِ ولَمْ يَلْبِسُوا عُقُولَهَمْ بِمَفاهِيمِها؛ ويَصْبُغُوا أَنْفُسَهم بأَلْوانِها!!، فإذا كانَ هؤلاءِ أرْضًا بِكْرًا لَمْ تُزْرَعْ مِنْ قَبْلُ؛ فإنَّ الأَوَّلينَ قَدْ طُرِّقَتْ فِي أرْضِهِم الطُّرقُ (طرّقَ طَريقًا: إذا سهّلَه حتى طرَقه النّاسُ بسَيْرِهم) ، وشُقَّتِ السُّبُلُ؛ حتّى اختلَطَ الغَادِي بالرائحِ؛ والسانِحُ بالبارِح، وتَبَلْبَلَتْ فِيهِمُ الأَفْكارُ؛ واخْتَلَطَ عِنْدَهُمْ سَوادُ الليْلِ بِبَياضِ النهار!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت