الصفحة 9 من 159

بِسمْ اللهِ الرحْمَنِ الرحيمِ

أسْمَار - الأذْكِياءُ، وللأذْكِياءِ فَقَطْ.

الحَمْدُ لله؛ وبَعْد:

فَهَذهِ المُسامَرَةُ - أَدامَ اللهُ عَلَيكَ النِّعْمَةَ - لَيْسَتْ عَلى شاكِلَةِ ما مَضَى مِنَ المُسامَرات، ذلكَ أنَّنِي أُعَرِّجُ بكَ هذهِ المَرَّةَ عَلَى رَوْضَةٍ غَنّاء؛ بلْ جَنَّةٍ فَيْحاء!، لا يَزالُ المَرْءُ يَسْتَظِلُّ بأَفْنانِها، ويَتَنَعَّمُ ما شاءَ بِرَوْحِها وَرَيْحانِها، ولا أُطيلُ عَليك؛ فَلَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَة.

عَلى هامِشِ السَّمَر:

ولَيس المقْصُودُ مِن هذه المسامَرَةِ الحدِيثَ عَنْ الذكاءِ نَفْسِه، وهلْ هُوَ قُدْرَةٌ واحدَةٌ مُشَتَرَكَةٌ يَتَفاوَتُ الناسُ فيها، أمْ أنها قُدُراتٌ مُخْتَلِفَةٌ مُسْتَقِلَّة؟!؛ ولا الحديثَ عنْ تَقْسيمِ الذكاءِ إلى مَنْطقِيٍّ رياضِي؛ ومكانِيٍّ؛ وحَرَكِيٍّ؛ ... إلخ، ولا الحديثَ عن اختِباراتِ الذكاءِ والاعْتِراضِ عَليها بَكَونِها لَيْستْ ميزانًا دقِيقًا يُعْتَمَدُ عَلَيهِ في إثباتِ ذلك؛ وأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْييمِ الشخْصِ بِثقافَتِهِ التي يَنْتَمِي إلَيها، وأنَّ مِن المَقايِيسِ في هذه الاخْتِباراتِ ما اخْتُلِفَ في اعْتِبارِه؛ كالحِكْمَةِ والإبداعِ والمَهاراتِ الاجْتِماعِيَّةِ والمَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ وقُدْرَةِ الشخْصِ على التَّكَيُّفِ معَ البِيئَةِ؛ وقُدْرَتِهِ على مُواجَهَةِ المشاكِلِ الحياتِيَّةِ اليومِيَّةِ وحَلِّها، كما اعْتُرِضَ عَلَيها بأنَّ الاخْتِبارَاتِ هذهِ قَدْ لا تَعْكِسُ القدْرَةَ الحَقِيقِيَّةَ للشخْصِ بِقَدْرِ ما تَعْكِسُ تَوَتُّرَهُ وقَلَقَهُ بِسَبَبِ تَلَهُّفِهِ لِمَعْرِفَةِ النَتِيجَةِ؛ فَيَكُونُ الفَشَلُ في الامْتِحانِ ناتِجًا عنْ هذا!، ولذا اخْتَلَفَ الباحِثُونَ والمُخْتَصُّونَ في تعْرِيفِه؛ حتى نَشَرتْ مَجَلَّةٌ أكاديمِيَّةٌ علْمِيَّةٌ في سَنَةِ (1921) سُؤالًا وُجِّهَ إلى (14) عالِمًا مِنْ علماءِ النَّفْسِ والتربَوِيينَ البارِزِينَ عَنْ تَعْرِيفِ الذكاءِ وماهِيَّتِهِ؛ فكانَتْ النتِيجَةُ أرْبَعَةَ عَشرَ جوابًا مُخْتَلِفًا!، ثُمَّ أجْرِيَ استِفْتاءٌ آخَرُ في عامِ (1986) نَتَجَ عنهُ تعْرِيفاتٌ جديدَةٌ مُخْتَلِفَةٌ عن سابِقاتِها!.

ولا يَسَعُنا أيضًا الحديثُ عنِ الاهتِمامِ بِقِياسِ القدُراتِ العَقْلِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ؛ وكَيفَ بدأَ في أوروبا في أواخِرِ القَرْنِ التاسِعِ عشرَ الميلادي، ولا الحديثُ عَمَّنْ قامَ بِجُهُودٍ في ذلكَ مِن الباحِثِينَ الغَرْبِيينَ من أمثالِ البريطانِيِّ ( GATTON) الذي كانَ مِنْ أوائلِ مَنْ تَحَرَّى تَفاوُتَ مراتِبِ الناسِ في الذكاءِ؛ حَيثُ قامَ بَمُقارَنَةِ إنْجازاتِ الناسِ منَ الأجْيالِ المُخْتَلِفَةِ في عَوائِلَ إِنْجِلِيزِيَّةٍ بارِزَةٍ؛ حيثُ تَبَيَّنَ لهُ تأثيرُ العامِلِ الواراثِيِّ في ذلكَ؛ ومِن ثَمَّ تَفَرَّعَ عنْ بَحْثِهِ هذا (عِلْمُ تَحْسِينِ النَّسل) ، واعْتُبِرَ هُوَ المُؤَسِّسَ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت