بسم الله الرحمنِ الرحيم
أسمار- رجالُ الدهر بل فُرْسَانُه!.
(كُتِبَ منْ أكْثَرَ مِن 400 كتابٍ من المراجعِ العربيةِ والأجنَبِية)
حمدًا لله؛ وبعد:
فإنَّ إتْحافَكَ - دامَ سَعْدُكَ - بالمُفاكَهاتِ الأنِيقَةِ؛ والأخبارِ اللطيفَةِ الرشيقَةِ؛ مِنْ مقاصِدِ هذه المُسامَرات!، وضَمُّ المُلْحَةِ إلى المُلْحَةِ أَحْسَنُ مِن ضَمِّ المَلِيحَةِ إلى المَليحَةِ!؛ والانتِقالُ من فائِدَةٍ إلى فائدةٍ أَرْوَحُ للنَفْسِ؛ وأَبعدُ للسآمَة؛ فإن الأُذُنَ - كما يُقالُ - مَجّاجَةٌ وللنّفْسِ حَمْضَة!؛ وفي التنْزِيلِ العزيزِ: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} .
بينَ السّهْدِ والجَوَى: (السهد: شِدَّةُ السهرِ؛ وتَواتُرُ أحْوَالِ المَحْبُوبِ على القَلْب، والجَوَى: ضِيقُ الصدرِ وكَتْمُ الهَوى)
وحينَ اخْتَرْتُ (لِسَمَرِ الليلَة) هذا العُنْوانَ رأيْتُهُ أجلَّ من أن أتَنَاوَلَ به جَميلَ بُثَيْنَةَ، أو أبا ضَمْرَةَ كُثَيِّرَ عَزّة، أو الخُزَاعِيَّ قَيْسَ بنَ ذُرَيْح صَاحِبَ لُبْنى، أو العَاشِقَ الذي اسْتَكْبَرَ عن التصريحِ باسْمِهِ واسمِ مَحْبُوبَتِهِ فَمَوَّهَ بالمَجنون ولَيْلَى!؛ ولذا لم يَتركِ الناسُ شِعرًا فيه ذكرُ ليلَى إلا نَسَبُوهُ إليه!؛ كما في خزانَةِ الأدبِ للبغدادي، أو أولَ عاشِقٍ ماتَ بالهَجْرِ عُرْوَةَ بنَ حِزام صاحبَ عَفْراء، أو الذي غَصَّ بالعِشْقِ ثلاثينَ عامًا عَبْدَ الله بنَ عَجْلانَ القُضاعِيَّ صاحِبَ هِند!، أو الخَبيرَ بأَحْوالِ العُشاقِ الكِنانِيَّ القحْطانِيَّ ذا الرُّمة (بالضمِّ؛ وتُكسر: قطعةُ حَبلٍ تُجْعَلُ في عُنُقِ البعير) صاحِبَ السمراءِ مَيِّ ابْنَةِ طِلابَةَ؛ والذي يُضربُ به المثلُ في تعلقهِ بِصَاحِبَتِهِ؛ حتى حكى الحِمْيريُّ في (الروضِ المِعْطار) قولَ بعض الظُرفاء: إنما سُمِّيتْ (مَيّافارقين) لأن ذا الرّمةِ لو رأى حُسنَها لقالَ لِصاحِبتِهِ: مَيُّ! فَارقيني ولا تُرافِقِيني!؛ يعني: أن حُسْنَ البلدَةِ يُنْسي ذا الرمةِ حُبّهُ لِصاحِبَتَه!؛ أو مالكَ بنَ الحَرْبِ الجَعْديَّ صاحِبَ جَنُوب، أو عَبدَ الله بنَ عَلْقَمَةَ صاحبَ حُبَيْش، أو نُصَيْبًا صاحِبَ الكِنانِيَّةِ زينب، أو المُرَقِّشَ سالخَ الأسدِ والنمرِ صاحبَ أسماء!، أو عُتْبَةَ بنَ الحُبابِ صاحِبَ رَيَّا، أو أبا عَمْرو بنَ كعب صاحبَ جاريَةِ اليمامَةِ؛ قيل: اسمُها: عقيلة؛ كما في كتابِ الزهرةِ لابنِ داودَ الأصفهاني؛ وهي من ولَدِ مُحرِّقِ بنِ النُعمانِ بنِ المنْذر، أو بَشارَ بنَ بُرْدٍ وصاحبَتَهُ عَبْدَة، أو كعبَ بنَ مالكٍ وأجملَ نِساءِ الحجازِ مَيْلاء، ولا ... ولا ... من غير هؤلاء.
وإذا كانَ عُشاقُ العربِ على وَجْهِ العُمُومِ وعُشاقُ الأعرابِ مِنهم خُصوصًا لا يَدخُلُون في المَقصودِ فغيرُهُمْ مِنَ الأُمَمِ أولَى؛ إذ للعرَبِ في هذا الفنّ ما لَيْسَ لغَيْرِهِم!؛ فلا يَصْلُحُ أيْضًا أن نَتَناوَلَ بِحَدِيثِنا مَثَلًا (رُومْيُو وصاحِبَتَهُ جُولْيتَا) ابْنَةَ صاحبِ الدارِ الذي أقامَ حفلًا كبيرًا؛ وكانَ (روميو) من بينِ المدعُويينَ فالتَقَيا على غيرِ مِيعاد؛ فَعَلِقَها وعَلِقَتْهُ!؛ في قصةِ طويلةٍ بَينَهما؛ كتبَ فيها كثيرونَ من أشهرهم (شكسبير) و (بَنْدِلْيُو) ؛ وخاتِمَةُ القصةِ عندَ الثانِي أدقُّ منها عندَ الأول؛ وخلاصَتُها أن رُومْيُوا احتَسى سُما لقتلِ نَفْسِهِ لما رآها جُثةً هامِدَةً وظنَّها قدْ ماتت!؛ لكنها ما لَبِثَتْ أن استَيْقظتْ من الإغْماءِ فبلغَ من السرور مَبْلغًا نَسيَ مَعَهُ السم!؛ واستَمْتَعا بِلَحَظاتٍ من الحبِّ العارم؛ حتى إذا ما فعلَ السمُّ به فِعْلَهُ قتَلَتْ نَفْسَها بِسَيفِه!، وهكذا قِيل!.
ومِثلُ هذا يُقالُ في (( Tom وصاحِبَتِهِ( Sophia) الذي ما زالَ يطارِدُها بِحُبِّهِ لها حتى هربَتْ مِنْهُ لَمّا عَلِمَتْ أَخْطاءَهُ!.
على أن العُشاقَ وإن بَلَغُوا الغَايَةَ من الظُّرْفِ وحَصَّلوا أَركانَ الظرْفِ الأَرْبَعَةَ - التي ذكرها أبو الطيبِ الوشّاءُ في (المُوَشّى الذي سَمَّى فيه اثنينَ وثلاثينَ عاشقًا ومَعْشوقةً) - و هي: الأدَبُ، ومكارمُ الأخلاقِ، واستِكْمَالُ المروءَةِ، والحبُّ العفيف!، وإن ضُرِبَ بهم المَثَلُ في دِقَّةِ الحِيلَةِ فقيلَ: ألْطَفُ من حيلَةِ عاشق!، وإنْ كثُرت التصانيفُ في أخبارِهم