بِسمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحيم
أسمار - إشراقَةُ النفْسِ؛ وفَنُّ التَّحَوُّطِ للمُسْتَقْبَل.
(ونَحْنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِنْدَنا لَنا الصَّدْرُ دُونَ العالَمِينَ أَوِ القَبْرُ)
الحَمْدُ للهِ؛ وبَعْد:
فلا زِلْنا نَسْمَعُ جَمِيعًا مِنْ آجدَادِنا وآبائِنا ونُعَلِّمُ أبْناءَنا أنَّ الإنسانَ الذي لا يُعَلِّمُهُ الكِتابُ تُعَلِّمُهُ الحياة!، وكَثيرٌ مِنّا لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ ما يُقالُ لَه مِنْ ذلكَ يَوْمَ كانَ يرْتَدِي ثِيابَ الصَّبا ويَثِبُ وثَباتِه، لكِنَّهُ لَمْ يلْبَثْ أنْ عَرَكَتْهُ الحياةُ عَرْكَ الأديمِ فإذا بِهِ يَسْتَكِنُّ إلى ظِلِّها ويتَأَمَّلُ فِيما ألْقَتْهُ علَيْهِ مِنْ دُرُوسِ الحِكْمَةِ الصامِتة!!.
مَدْخلُ الدرس:
بَعَثَ اللهُ تَعالَى غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَ الإنْسانَ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أخِيهِ، ثُمَّ فَطِنَ بِذلكَ إلى التعلُّمِ مِنْ مَخْلُوقاتِ اللهِ تعالى؛ حَتَّى لاحَظَ فِي يَومٍ مَنَ الأيامِ الطُيٌورَ النقَّارَةَ وهِي تَخْتَزِنُ ثَمَرَ البُنْدُقِ فِي جُذُوعِ الأشْجارِ، والنَّحْلَ وهُوَ يَحْملُ العَسَلَ إلى خَلاياهُ؛ والنمْلَ يَخْتَزِنُ طَعامَهُ لِيَوْمِ الحاجَة، والطيُورَ تَبْنِي أعشاشها وترْعَى صِغارها؛ وكِلابَ البحْرِ تُقِيمُ لِنَفْسها السدود؛ فألْهَمَهُ اللهُ تعالَى بِذلكَ فِكْرَةَ الزَّمَن، وشَرفَ التَّبَصُّرِ والنظَرِ في العواقِب، وضَرُورَةَ الحِياطَةِ للمُسْتَقْبَل، وما يَنْبَغِي مِنْ إحْكامِ التدابِيرِ ومُراعاةِ الأسْبابِ التي تَحْفَظُ لَهُ بَقاءَهُ وتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ فَتَكَاتِ الدهْرِ وتَقَلُّباتِه.
وإنَّكَ لَتَلْحَظُ اشْتِراكًا فِي مَعانِي الكَلِماتِ الدالَّةِ عَلَى هذهِ المقاصِدِ في اللغَةِ العَرَبِيَّةِ: (التدبِير) ؛ (التّحَوُّطُ) ؛ (التبَصُّر) ، كَما تَلْحَظُ اشتراكًا في الأصْلِ اللغَوِيِّ الدالِّ عَلَى مَعانِي هذهِ الكَلِماتِ في اللغَةِ الإنْجِلِيزِيَّة.
مِمّا يَدُلُّكَ عَلَى اشْتِراكِ بَنِي الإنسانِ فِي الأسبابِ المادِيَّةِ الكَوْنِيّةِ التي يَتَوَصلُ بِها إلى ما يَحْتاجُهُ منَ الحِياطَةِ لِدُنْياهُ، كما تَلَقَّى الجَمِيعُ ذلكَ عَنْ مَدْرَسَةٍ واحِدَة.
ذَكِيٌّ وبَلِيد:
غَيْرَ أنَنِي أخْبُرُكَ بِما يُذكِّرُكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
سُبْجانَ مَنْ قَسَمَ الحُظُ ... وظَ فَلا عِتَابَ ولا مَلامَةَ!.
ذلكَ أنّ الناسَ وإنْ أفادُوا جَمِيعًا مِنْ الدرْسِ السابِقِ فِكْرَةَ تَخْزِينِ الطعامِ فِي أيامِ السنَةِ السِّمانِ حَذَرًا مِنْ أيامِها العِجافِ؛ فَعَرَفُوا تَجْفِيفَ اللحُومِ والأسْماكِ وتَمْلِيحَها وتَدْخِينَها، وعَرَفُوا كَيْفَ يَبْنُونَ للثمارِ المُجَفَّفَةِ والغِلالِ (الجَرِينَ والْمِرْبَدَ والصُّوبَةَ والمِسْطاحَ والجَوْخانَ والبَيْدَرَ والغَدَادَ) - وكُلَّها أسماءٌ لِلْمَواضِعِ التي يُحْفَظُ فِيها التمرُ والحِنْطَةُ والزبِيبُ وغَيرُها حَذرَ المطرِ والرطُوبَةِ والرياحِ وهوامِّ الأرضِ واللصوص! - إلاَّ أنَّ قِلَّةً مِنْهُمْ أَدْرَكَتْ أَنَّ فَنَّ الحِياطَةِ هذا يَتَناوَلُ