ما هُوَ أعْظَمُ وأَوْلَى مِنْ حَفْظِ المَبادِئِ والأُصُولِ والقِيَمِ التِي هِيَ عِمادُ البقاءِ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ؛ والرابِطُ الذي يُكَوِّنُ أساسًا مَتِينًا ثابِتًا تَسْتَقِرُّ عَلَيهِ الجماعَةُ والدَّوْلِة.
ولِذا كانَتْ (الترْبِيَةُ) عَلَى هذهِ القِيَمِ والمُثُلِ هِيَ التي تُمَيِّزُ الإنْسانَ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقات، وهِيَ كذلكَ العامِلُ الذي يَرْبِطُ الأجْيالَ المُتَعاقِبَةَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، كَما يَرْتَبِطُ أبْناءُ الأسْرَةِ الواحِدَةِ بِفَضْلِ تَرْبِيَتِها لَهُم، فإذا ما وقَعَ اضْطَرابٌ أو خَلَلٌ فِي هذا العامِلِ كانَ التَّهَلْهُلُ والضعْفُ في الأمَّةِ عَلَى قَدْرِهِ، ورُبَّما آذَنَتْ شَمْسُها بالأُفُولِ؛ إذ المُجْتَمَعاتُ بِدُونِ هذهِ القِيَمِ لَيْسَتْ شَيئًا يَسْتَعْصِي عَلَى الزوالِ والفَناء!.
العالَمُ مِنْ حَوْلِنا:
ولا أَرانِي بِحاجَةٍ أيُّها القارِئُ الكَرِيمُ إلى الحَدِيثِ عَنِ الضّرْبِ الأَوّلِ مِنْ فَنّ الحياطَةِ هذا؛ وكَيْفَ اكتَشَفَ الإنسانُ آلَةَ الحَرْثِ أَولَ مَرة، وكَيْفَ تَعَلّمَ مِنْ صُنُوفِ الحيَوان السلاحَ وآلاتِ الحَرْبِ والدفاعَ عَنِ النفْسِ؛ فقَلَّدَ واسْتَخْدَمَ مَخالِبَ الحيوانِ وأنْيابَهُ؛ وصنعَ الآلاتِ مِن العاجِ وَالعظمِ والصخر؛ ثم من الحديد ومعادن الأرض؛ فَهُدِيَ إلى صناعَةِ السيُوفِ والخناجرِ وَالمُدَى والرماحِ والقِسِيِّ والسهام والهرَاواتِ والمقاليعِ وغَيرها، وما الذي دَعاهُ إلى الابْتِكارِ وحَمَلَهُ عَلَيْه!، وأولُ ما صُنِعَتْ آلَةُ الحرْثِ (العَصاةُ الحافِرَة) ، والسرُّ الكامِنُ وراءَ حَمْلِ الإنسانِ للعصا، وغَيْرِ ذلكَ مَمَّا لا يَخْلُو عَنْ مُتْعَةٍ وفائِدَة، لأننا فِي قَرْنِنَا هذا الذي نَقِفُ فِيهِ أماَمَ بَواباتٍ كَبِيرَةٍ مُشْرَعَةٍ فُتِحَتْ بَيْنَنا وبَيْنَ الأُمَمِ الأُخْرى؛ نَحْتاجُ أنْ نَسْتَفْرِغَ الوُسْعَ ونَبْذُلَ الجُهْدَ فِي تَسْخِيرِ هذا الفَنِّ في مُقاوَمَةِ ما يَلِجُ إلَيْنا مِنَ الرياحِ التي تَقْصِدُ قَواعِدَ البِناء وتُحاوِلُ تَقْوِيضَهُ وهَدْمَه.
تَقْسِيمُ الأيامِ إلى ماضٍ وحاضِرٍ ومُسْتَقْبلٍ عَمَلٌ مِن صَنِيعِ المُؤرّخين، أما الزمَنُ فلا يَعْرفُ هذا التقْسيم!، هكذا يَقُولُ بَعْضُ المُؤرِّخين، وهِيَ حَقِيقَةٌ لا يَسَعُ دارِسَ التارِيخِ للاعْتِبارِ إلا أنْ يُسَلِّمَ بِها، ومِنْ ثَمَّ فَمَغْبُونٌ كُلَّ الغُبْنِ مَنْ تَغافَلَ عَنْها وظَنَّ أنَّ زَخارِفَ الأقْوالِ والأعْمالِ التي يَسْتَتِرُ الكَيْدُ والمَكْرُ مِنْ وَرائِها وتُوَجَّهُ سِهامُها إلَيْنا هِيَ الصفْحَةَ البَيْضاءَ الجدِيدَةَ مِنَ التارِيخ!، وكَمْ سَيْجْنِي عَلَى تارِيخِنا وأُمَّتِنا مَنْ ذهَبَتْ بِهِ الظُّنُونُ هذا المَذْهب؟!.
شَمْسُ المَعْرِفَة؛ والسحُبُ السوْداء!:
وَنَحْنُ أمامَ تَحَدِّياتٍ كَبِيرَةٍ؛ لَيْسَ هذا (الانْفِتاحُ المَعْرِفِيُّ) الذي نَراهُ ونَحْياه أَقَلَّها بِحالٍ مِنَ الأحْوال، وهو انْفِتاحٌ لَمْ يَقَعْ لَهُ مَثيلٌ في الأُمَمِ السابِقَةِ، ولا فِي تارِيخِ الإنْسانِيَّةِ كُلِّها، بلْ لا نُبالِغُ إنْ قُلْنا إنهُ مِنْ أكْبَرِ التحدِّياتِ خَظَرا، ومِنْ أشدِّها امْتِحانًا لعَزائمِنا وثباتِنا.
ومِنْ نافِلَةِ القَوْلِ أنْ نَتَحَدَّثَ هُنَا عَنْ ثِمارِهِ اليانِعَةِ؛ وقُطُوفِهِ الدانِيَةِ، ومَنْ ذا الذي يَجْرُؤُ عَلَى إنْكارِ إشراقَةِ النفُوسِ بالعِلْمِ وحاجَتِها إلَى المَعْرِفَةِ؛ والتِي تُشْرِقُ بِها شَمْسُ الأمَّةِ عَلَى العالَمِ كُلِّه؟!؛ وأنَّ العُلُومَ والمَعارِفَ النافِعَةَ يَحْتاجُ إليها جَميعُ الناسِ حاجَتَهُمْ إلى الماءِ والهَواء!؛ اللهُمَّ إلاّ مَنْ لَمْ يَتَذَوَّقْ حَلاوَتَها مِمَّنْ اعْتادَ لَيْلَ الجَهْلِ البَهِيم!.
عَلَى أَنَّنا - أُمَّةَ الإسلامِ - حُزْنا مَحَلَّ الريادَةِ فِي العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِطُلُوعِ فَجْرِ الرسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلَى صَاحِبِها الصلاةُ والسلام؛ ولَسْنا حَديثِي عَهْدٍ بِذلكَ ولا مُتَطّفِّلِينَ عَلَيْهِ؛ إلاَّ حَيْثُ انْتَبَذْنا مِنْ مَعِينِ الهِدايَةِ مَكانًا قَصِيّا؛ وحَيثُ ظَنَّ بَعْضُنا - وساءَ ما ظَنُّوا - أنّنا بِغَيْرِ دِينِ الإسلامِ وقِيَمِهِ وأخْلاقِهِ عَلى شَيءٍ!، ورُبَّما غَرَّهُمْ ثَناءُ طائِفَةٍ مِنَ الباحِثِينَ الأورُوبِيينَ عَلى ما أَحْرَزْناهُ مِنَ التقَدُّمِ في فُنُونِ العِلْمِ وضُرُوبِ المَعْرِفَةِ فِي امْتِدادٍ زَمانِيِّ ومَكانِيٍّ لا مَثِيلَ له فاستَمْسَكُوا بالشكْلِ وغَفِلُوا عَن الجَوْهَر؛ وَوَسْوَسَ إلَيْهِمُ الشيطانُ لِيُوهِمَهُمْ حُصُولَ ما أَحْرَزُوهُ بَعِيدًا عَنِ الإسلام؛ لِيَنْزِعَ عَنْهُمْ ما وُورِيَ مِنْ سَوْآتِهم؛ ولِيَذْهَبَ بَما جَمَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ لِباسِ الإيمانِ وزِينَةِ التقْوى.