وقَدْ كانَ الواجِبُ أنْ يُرَدَّ القَوْسُ إلى مَنْزَعِهِ، والفَضْلُ إلى مَنْبَعِه، غَيْرَ أنَّ القَوْمَ لمّا تَبَدَّلَتِ الحالُ غَيْرَ الحال جَرَوْ عَلَى سُنَّةِ بَنِي إسرائيلَ فِي إنْكارِ فَضْلِ ذي الفَضْلِ؛ وفي اسْتِبْدالِ الذي هُوَ أدْنَى بالذي هُوَ خَير!، فَنَسَبُوا ما أَحْرَزُوهُ إلى كُلِّ ما سنَحَ فِثي البالِ وعَنَّ في الخاطِر إلا الإسلام!؛ كَيْفَ وقَدْ ألَصَقُوا بِهِ من التُّهَمِ ما أَفْصَحَ عَنْ جَهْلٍ قادِحٍ أو عَداءٍ فاضح!، ولَيْتَ شِعْرِي لَوْ قِيلَ لَهُمْ: هَبْكُمْ نَحَيَّيْتُمُ الإسلامَ جانِبًا مِنْ تارِيخِكُمْ و أَبْعَدْتُم كُلَّ ما صَنَعْتُمُوهُ مِن البُطُولاتِ بالإسلام؛ فَهاتُونا بَعْدَ ذلكَ صَنائِعَكُمْ؟؛ وقُولُوا لنا: مَنْ أنْتُم؟؛ ماذا سَيَقُولُونَ وبأيِّ لِسانٍ سَيُجِيبُون؟.
وصَدَقَ اللهُ تعالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ، وهَلْ قَدَرَ اللهَ تعالَى حَقَّ قَدْرِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ دِينِهِ؛ ولَمْ يَرْفَعْ رَاسًا بِرِسالَةِ رَبِّهِ؛ وما بَرِحَ يُلْصِقُ بِها قُصُورَهُ ويَصِمُها بِعَيْبِهِ؛ ويُرِيدُ أنْ يَرْمِيَها بِدائِهِ ويَنْسَلَّ!.
لا والذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْحَقِّ نَبِيًّا لَنُوَلِّيَنَّهُ مِنْ ذلكَ ما تَولاّهُ؛ وليَحْفَظِ اللهُ الإسلامَ رَفِيعَ الجَنابِ مَصُونَ الحِمَى، وما للإسْلامِ ولِقِصارِ الأنْظارِ وضِعافِ الأبْصار؟!؛ ومالَهُ ولأَقْزامِ الهِمَمِ وغائري العزائم؛ وإنَّما تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى قِمَمِ الجِبالِ لا عَلَى حِجَارَةِ الشِّعَابِ والقِيعان!.
والنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبْصارُ صُورَتَهُ ... فالذَّنْبُ للطَّرْفِ لا للنَّجْمِ في الصغَرِ
فِي سَاحَةِ الحَوادِث:
ومِنَ العِبَرِ المُناسِبَةِ في هذا المَقامِ ما حَكاهُ بَعْضُ كِبارِ الأساتِذَة عَنْ نَدْوَةٍ دُعِيَ إلَيْها حَوْلَ مَوْضُوعِ (الشخْصِيَّةِ العَرَبِيَّةِ!) فِي إحْدَى الجامِعاتِ العَرَبِيَّةِ، قالَ: وكُنْتُ مَدْعُوًّا صامِتًا؛ ... فلما كانَتْ نِهايَةُ المُحاضَرَةِ سُمِحَ للحُضُورِ بالسُّؤالِ؛ فَوَجَّهَ إلى المُحاضِرِينَ سُؤالًا؛ فقال: لِقَدْ ذَكَرْتُمْ للعَرَبِ أمْجادًا عَظِيمَةً يَعْجَزُ اللسانُ عَنْ وَصْفِها وحَصْرِها؛ وأنا أَظْلُبُ مِنْكُمْ أنْ تُبْعِدُوا كُلَّ الأمْجادِ التي صَنَعَها العَرَبُ بالإسلامِ جانِبًا؛ ثُمَّ تَقُولُون لِي باللهِ عَلَيْكُمْ: مَنْ هُمُ العَرَبُ؟!!، فَلَمْ يَحِرِ القُومُ جَوابًا؛ واعْتَذُروا بِضِيقِ الوَقْتِ وأسْكَتُونِي!.
هذهِ المَفاهِيمُ - وأَمْثالُها كَثِيرُ مِمَّا يَنْفُخُ (الانْفِتاحُ) في ضِرامِها - والتي تَفْصِلُنا عَنْ تارِيخِنا، أو إنْ شِئْتَ فقل: التي تَشْطُرُ تارِيخَنا وتُجَزِّئُهُ فَتُبْدِي ما تَشاءُ وتُخْفِي كَثِيرًا مِنْ حَقائِقِهِ - ومِنْ ثَمَّ فَهِيَ تَخْدِشُ إسلامَنا شَاءَتْ أمْ أبَتْ لأنَّ تارِيخَنا وإسلامَنا رُوحٌ وجَسَدٌ لا يَنْفَصِلانِ - هِيَ التي نُرِيدُ أنْ نتَصَدَّى لَها مَهْمَنا كَلَّفَنا ذلكَ مِنْ ثَمَن.
إنَّ المسْألَةَ بالنِّسْبَةِ إلَيْنا حَياةٌ أو مَوْت!، أنْ نَكُونَ أو أنْ لا نَكُون، لأَنَّهُ ما مَنْ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ تَفْقِدُ مَبادِئَها وتَضِلُّ عَنْ قِيَمَها إلا انْمَحَتْ (صِبْغَتُها الحضارِيَّةُ) وذابَتْ في الأمَمِ ذَوبانَ المِلْحِ في الماء، وما رَبُّكَ بِظلاَّمٍ للعَبِيد.
أما قِيَمُنا نَحْنُ فَهِيَ دِينُنا؛ تَوْحِيدُنا لِرَبِّنا تَوْحِيدَ إخلاصٍ وعُبُودِية، وتَوْحِيدُنا لِنَبِيِّهِ صلى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ تَوْحِيدَ طاعَةٍ وامْتِثال؛ والتِزامُنا بأحْكامِهِ أُمَّةً وأفرادًا؛ {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
تَأمَّلْ: {دِينًا قِيَمًا} ؛ قِيَمٌ في عَقائِدِهِ، قِيمٌ في شرائِعِهِ وأحْكامِه، قِيَمٌ فِي مُعامَلاتِهِ، قِيَمٌ في آدَابِهِ وأَخْلاقِهِ!، وما كانَ هذا شَأنُهُ فلا بُدَّ مِنْ عُلُوِّهِ فِي الحَياةِ كُلِّها كَما أرادَ اللهُ تعالَى لَهُ أنْ يَكُون، لا كَما يُرِيدُ لهُ مَنْ أَلِفُوا العُبُودِيَّةَ والمَهانَةَ؛ وكَبَّلَتْهُمْ قُيُودُ التَّبَعِيَّةِ وأصفادُ الانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأمَم.
وأوَّلُ ما عَلَيْنا أنْ نَعِيَهُ:
فِي فَنِّ الحِياطَةِ للمُسْتَقْبَلِ وتَحْصِينِ أبْناءِ أُمَّتِنا مِنْ (مَخاطِرِ الانْفِتاحِ وأضرارِهِ) هُوَ أنْ نَتَعَلَّمَ تَسْلِيطَ المُعالَجَةِ عَلَى الكُلِّياتِ التي بِصَلاحِها تَصْلُحُ كَثِيرٌ مِنَ الجُزْئِيَّات؛ كَما يَفْعَلُ الطبِيبُ حِينَ يُسَلِّطُ الداوءَ عَلى أَصْلِ الداء، أما إهْمالُ الكُلِّيِّ والانْشِغالُ بالجُزْئِيِّ فِمِنْ شَانِهِ أن يُمَكِّنَ للأدْواءِ مَن الجَسد حَتَّى تَفْتِكَ بِهِ أوْ يَتَعَسَّرَ عَلَى الحُذَّاقِ عِلاجُها.