الصفحة 4 من 159

تَحَدَّثَ الناسُ عَنْ آثارِ الانْفِتاحِ وما مَضَتْ عَلَيهِ سِوى سَنَواتٍ مَعْدوداتٍ، وقَدْ رَأَوْا نُذُرَ الخَطَرِ تُلَوِّحُ بأَعْلامِها فِي كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْب!، بِهَدْمٍ لأرْكانِ الإسلام؛ وتَفْكِيكٍ للراوَبِطِ الاجْتِماعِيَّةِ منَ الأسْرَةِ فَما فَوقَها؛ وقَضاءٍ عَلَى ما بَقِيَ مِن الأخْلاقِ؛ ومَزِيدٍ مِنَ الفَقْرِ والمَرَضِ والجَهْلِ بمَكانِنا ومَكانَتِنا في الحياة، ولَوْلا أَنَّنِي أَكْرَهُ اسْتِعْراضَ الحَوادِثِ تَفْصيلًا كما يَفْعلُ الناسُ لأتَيْتُ مِنَ الشواهِدِ علَى هذا بِكثيرٍ القصص!؛ وما عَلَى مَنْ أرادَ شَيئًا مِنْ ذلكَ إلا أنْ يَسْتَعْرِضَ شَبَكَةَ الحاسُوبِ وسَيَرَى مالا يَحْمَدُهُ إنْ كانَ مَمَّنْ بَقِيَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ خُلُّقٍ ودين!.

أمَّا أنَّ الجُهُودَ التَّرْبَوِيَّةَ ضُرُورِيَّةٌ لِمُواجَهَةِ هذهِ الأخْطارِ فَنَعَمْ؛ وكَثِيرُونَ مَنْ طَرَحُوا هَذا؛ سَلَّمْنا، لَكِنَّ الذي رَأَيْناهُ وعَرَفْناهُ؛ والذي فَهْمْناهُ مِنْ دِينِنَا وتَارِيخِنا؛ والذي لا يُنازِعُ فِيهِ المُحَقِّقُون وإن اخْتَلَفَتْ الألْفاظُ المُعَبِّرَةُ عَنْه؛ أنَّ للتَّرْبِيَةَ رُكْنَين لا غِنَىً لأحَدْهِما عَنِ الآخر؛ وأنَّها لا تُؤْتِي ثِمارَها إلا بِهِما:

الأولَ: الجُهْدَ الذي يُبْذَلُ لإصْلاحِ الفَرْدِ؛ أو قُل: (الترْبِيَةَ الفَرْدِيَّةَ) بِشِقَّيْها: 1 - غرسِ الأصولِ العقائِدِيَّةِ والقِيَمِ الأخْلاقِيَّةِ؛ 2 - وتَنْمِيةِ الْمَعارِفِ والمَهارت.

والثانِيَ: الترْبِيَةَ (الجَمْعِيَّةَ) ؛ وهِي التي يَحْصُلُ بِها الأثَرُ المُتَبَادَلُ بَيْنَ الفَرْدِ والمُجْتَمَع، حَتَّى يُؤَثِّرَ كُلٌّ مِنْهُما فِي الآخَرِ؛ فَتَكُونَ النَّتِيجَةُ تَلاحُمًا وبِناءً وتَقْوِيمًا ونَفْيًا للدخيل.

والحَقُّ أنَّ هذا الثانِي كالثَّمَرَةِ بالنِّسْبَةِ للأَوَّل!، بلْ لا يُؤتِي الأَوَّلُ ثِمارَهُ إلا بِذلك، كما ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَمَ أنهُ مَثَّل لِتَلاحُمِ المُؤْمِنِينَ بالبُنْيان، وأنْتَ خَبيرٌ بأنَّ لَبْناتِ البِناءِ مَهْما اعْتِنِيَ بِها وأُحْكِمَ إعْدادُها فَلَنْ تُؤْتِيَ أُكُلَها إلا إذا أُحْكِمَتْ القَواعِدُ؛ وَوُضِعَتْ كُلُّ لَبِنَةٍ في مَوْضِعِها؛ لا تَتَقَدَّمُ واحِدَةُ عَنْ أخْتِها ولا تَتَأخَّرُ عنْها، قَدْ وَثَّقَ المِلاطُ - (وهُو ما يُجْعَلُ بَيْنَ اللبِنَتَيْنِ مِنْ طِينٍ وجِصٍّ ونَحْوِه) - ما بَيْنَهُنَّ حَتَّى صِرْنَ كَلَبِنَةٍ واحِدَةٍ؛ وأُخْرِجَ مِنْ بَيْنِهِنَّ كُلُّ ما لا يَصْلُحُ للبِناءِ مِنَ اللبِنات، فَهْذه هِيَ الأُصُولُ التي يَقُومُ البِناءُ علَيْها؛ ويَتَماسَكُ بِها وإلا كانَ عُرْضَةً للسقُوطِ والزوال.

وهذا الحديثُ النبَويُّ وما كانَ مِنْ بابِه يَنْتَظِمُ أصُولًا عَظِيمَةً فِي سِياسَةِ الفرْدِ والأمَّةِ، وفيهِ بَيانٌ لما أرَدْناهُ مِنْ أنَّ (الترْبِيَةَ الفَرْدِيَّةَ) وإنْ كانَتْ ضُرْورَةً لا غِنَىً عَنها إلا أنَّها تَحْتاجُ إلى قِيامِ المُجْتَمَعِ باسْتِثْْمارِها والعِنايَةِ بِما يُكَمِّلُها.

فإذا كانَتْ الأسُسُ والقَواعِدُ التي يَقُومُ عَلَيْها المُجْتَمَعُ فَاسْدَةً مُخْتَلَّةً فِي الأصْلِ فَما عَساهُ يَكُونُ حالُ البِناء؟!؛ وَأيْنَ سَيَكُونَُ مَوْضِعُ الفَرْدِ الذي بَذَلْنا ما بَذلْنا في إصلاحِهِ وتَهْذيبِه؟!؛ وماذا عَسانا نَصْنَعُ بآلافٍ مَنَ اللبِناتِ القَوِيَّةِ المَتِينَةِ نُعِدُّها ونَخْتَزِنُها؛ والقواعِدُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ؟.

مِنْ مُقْتَضَياتِ هذا (الانْفِتاحِ المَعْرِفِيِّ) - الذي يَهُمُّنا مِنْهُ ما يَنْفَعُنا - انْفِتاحُ العُقُولِ والأذهان، لا بِمَعْنَى خُروجِها عَنِ الشرْعِ والفِطْرَةِ كَما يُنادِي بِهِ المُسْتَغْرِبُون!؛ بلْ بِمَعْنَى تَحَرُّرِها مِنْ كُلِّ قَيْدٍ يَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ ما أودَعَهُ اللهُ تعالَى في هذا الكَوْنِ مِنْ كُنُوزِ العِلْمِ والحِكْمَةِ وما فِيهِ مَن المَنافِعِ شَرِيطَةَ أنْ لا يَسْرَحَ العَقْلُ فِي ذلكَ إلا بِمِقْدَارِ ما يُسَرِّحُهُ الشرْع، ولأنَّ شأنَ الشرْعِ في هذا كَشأنِ الطبِبيبِ مَعَ المَرِيضِ يَهْدِيِهِ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَمْنَعُهُ مِما يَضُرَّهُ.

أما إرْخاءُ العِنانِ للشَّهَواتِ وسَنُّ القوانِينِ والتَشْرِيعاتِ التي تَحْمِيها وتُؤَيِّدُها؛ فَهَذهِ - مَعَ كَونِها تَمَسُّ أصْلَ التوحِيدِ وجَوهَرَه - عُدْوانٌ عَلَى العُقُولِ التي جاءَتْ الشريعَةُ بِحِفْظِها، وإغْلاقٌ للعقُولِ يَعُودُ عَلى المَقْصُودِ مِنَ (الانْفِتاحِ المَعْرِفِيِّ) بالنقِيض!!.

فالعَقائدُ وَالفَلْسَفاتُ والنظَرِيَّاتُ المُناقِضَةُ لِدينِ الإسلام والتِي تَتَسَرَّبُ إلَيْنا عَبْرَ (حُرِّيَّةِ الرأيِ والفِكْرِ) - حَتَّى صارَ مِنْ حُرِّيَّةِ الرأيِ أنْ يُهاجَمُ القُرْآنُ والإسلامُ ونَبِيُّ الإسلامِ جِهارًا نَهارًا فِي بِلادِ المُسْلِمِينَ!؛ ومِمَّنْ يتَسَمَّوْنَ بأسْماءِ المُسْلِمين؛ بلا خَوْفٍ مِنَ اللهِ تعالى ولا حَياءٍ مِنْ عِبادِه!! - هِيَ حَرْبٌ عَلى دينِ الإسلامِ مِنْ جِهِةٍ؛ واعْتِداءٌ عَلى العقُولِ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت