جِهَة ثانِية! ٍ؛ لأنها صَرْفٌ لَها عَنْ جَنْيِ النافِعِ مِنْ ثِمارِ المَعْرِفِة؛ وإغْراقٌ لها فِي أَوهامِ الأفكارِ والفَلْسفاتِ الباطِلة؛ واستِدْراجٌ لَها إلى الوقوعِ في خِزْي التبَعِيَّةِ الثقافِيَّةِ لغَيْرِنا مِن الأمَم؛ وإهْدارٌ لِكَثِيرٍ مِن طاقَةِ الأمَّةِ التي يَتَعَيَّنُ علَيْها بَذْلُها لِرَدِّ عادِيَةِ الوافِدِ الدخيل، وهِيَ أحْوَجُ ما تَكُونُ إلى تَوفِيرِ هذه الجُهُودِ فِي مُواصَلَةِ البناء.
وقَوانِينُ ما يُعْرَفُ (بالحُرِّيَّةِ الشخْصِيَّةِ!) والتي تَجْعَلُ الإنْسانَ عَبْدًا لِشَهْوَتَيِ البَطْنِ وما دُونَ ذلك!؛ يَؤُزُّهَا إعلامٌ لا يالُوا جُهْدًا في نَشْرِ الرذيلَةِ؛ وأُضِيفَتْ إلَيْهِ بَعْدَ هذا (الانْفِتاحِ) رَذائِلُ الأُمَمِ الأُخْرى!!؛ هِيَ فَتْكٌ بالأَخْلاقِ مِن ناحِيَةٍ؛ وجِنايَةٌ علَى العُقُولِ مِنْ ناحِيَةٍ أخْرى!، وأَيُّ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ عَساهُ يَنْفَعُ ويَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ لا يَزالُ في أَسْر ِالشَّهْوَاتِ لَيْلَهُ ونَهارَه؟!؛ ونَحْنُ نَرى الرجُلَ تَقَعُ عَيْنُهُ عَلَى المَرْأةِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ مِنْهُ فَلا تُفارِقُهُ صُورَتُها إلى ما شاءَ اللهُ تعالى!، فَماذا يَصْنَعُ الشابُّ والشابَّةُ إنْ غَرِقا فِي أوْحالِ الرذيلَةِ تِلْكَ؟؛ وكَمْ هِيَ أبْوابُ الرذائلِ المُفَتَّحَةُ عَلى مَصارِيعِها فِي بِلادِ المُسْلِمِينَ شَرْقًا وغَرْبا؛ والناسُ يَلِجُونَها أسرابًا تِلْوَ أسراب؟!؛ وما الذي يُرْجَى مِنْ أبْناءِ المُسْلِمينَ إذا أضْحَوا أسْرَى تِلْكَ الأغْلال؟.
والشرُّ لا يَأتِي بالخير:
ولَقَدْ كانَتْ مِنْ جِناياتِ العُدْوانِ عَلَى الأخْلاقِ جِناياتٌ أخْرى تَوَلَّدَتْ عَنْها؛ وما انْتِشارُ حالاتِ الطلاقِ وارْتِفاعُ نِسْبَتِهِ؛ وتأخَّرُ سِنِّ الزواجِ؛ وارتِفاعُ تَكالِيفِهِ؛ ومَخاطِرُ العُنُوسَةِ التي خَيَّمَتْ أشباحُها عَلَى أعْدادٍ لا تُحْصَى مِن الفَتَيات؛ وارْتِفاعُ مَعَدَّلِ الجَرائِمِ الأخلاقِيةِ والتي أصبَحْنا نَسْمَعُ مِنْها ما لَمْ يَكُنْ لَهُ وجودٌ مِن قَبل، والتفَكُّكُ الأسَرِيُّ؛ وتَزايُدُ العُقُوقِ، وتَنامِي البطالَةِ؛ وكَسادُ السوق؛ وَ ... وَ ... فِي قائِمَةٍ حَسْبَكَ مِنْها سَماعُ عَنَاوِينِها، إلاَّ صُوَرًا حَيَّةً مِنْ آثارِ تِلْكَ الجِناياتِ؛ وللهِ عاقِبَةُ الأمور.
وبِمِثْلِ هذا تَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ لِماذا غَلَّظَ الشارِعُ فِي شَأنِ مَنْ يُحِبُّ شُيُوعَ الفاحِشَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِين؛ بِنَحْوِ قَولِهِ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، إذْ إشاعَةُ الفاحِشَةِ ونَشْرُ الرذيلَةِ هُو الذي ولَّدَ جَميعَ ما تَرى!، وأنا أحْلِفُ باللهِ الذي لا رَبَّ سِواهُ أنَّ الذينَ يَقُومُونَ عَلَى نَشْرِ الرذيلَةِ في بلادِ المُسْلِمِينَ عَلَى أيِّ وَجْهٍ كانَتْ مَقْروءَةً أو مَسْمُوعَةً أو مَرْئِيَّةً؛ وكائِنِينَ مَنْ كانُوا دَاخِلُونَ في حُكْمِ هذهِ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَلْيُعِدُّوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ جَوابًا؛ وإنَّ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدِيِ اللهِ تعالَى لَقَرِيب.
مِنْ عَجائبِ القَصَص:
وما دامَ حديثُنا مِنْ بابِ المُسامَراتِ فَحَسَنٌ أنْ نَحْكِيَ لك قِصَّةً وَرَدَتْ في أَخْبارِ أبِي عَبْدِ الله عَمْروِ بنِ مَيْمُونِ الأَوْدِيِّ وكانَ مِنْ ساداتِ أكابِرِ التابعين وعُبادِهِم مات سَنَة (74) للهجرَة؛ قِيلَ لَهُ: أَخْبِرْنَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ فِي الجاهِلِيَّةِ؟؛ قَالَ رَأَيْتُ الرَّجْمَ فِي غَيْرِ بَنِي آَدَمَ!؛ إِنَّ أَهْلِي أَرْسَلُونِي فِي نَخْلٍ لَهُمْ أَحْفَظُهَا مِنِ القُرُودِ، فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا فِي البُسْتَانِ إِذْ جَاءَتِ القُرُودُ فَصَعِدَتْ نَخْلَةً؛ فَتَفَرَّقَت القُرُودُ واضْطَجَعُوا؛ فَجَاءَ قِرْدٌ وقِرْدَةٌ فاضْطَجَعَا؛ فَأَدْخَلَتِ القِرْدَةُ يَدَهَا تَحْتَ القِرْدِ فَاسْتَثْقَلاَ نَوْمًا؛ فَجَاءَ قِرْدُ فَغَمَزَ القِرْدَةَ مِنْ تَحْتِ رَاسِهَا فَاسْتَلَّتْ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ رَاسِ القِرْدِ؛ ثُمَّ انْطَلَقَتْ مَعَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَنَكَحَها وأَنَا أَنْظُرْ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَضْجَعِهَا؛ فَذَهَبَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ عُنُقِ القِرْدِ كَمَا كانَتْ؛ فانْتَبَهَ القِرْدُ فَقَامَ إِلَيْهَا فَشَمَّ دُبُرَهَا؛ فَصَاحَ صَيْحَةً فاجْتَمَعَتْ القُرُودُ؛ فَقَامَ واحِدٌ مِنْهُمْ كَهَيْئَةِ الخَطِيبِ!؛ فَوّجَّهُوا فِي طَلَبِ القِرْدِ فَجَاؤُوا بِهِ بِعَيْنِهِ وَأَنَا أَعْرِفُهُ؛ فَحَفَرُوا لَهُمَا فَرَجَمُوهُمَا!!.
ومَنَ قَصَصِ هذا البابِ ما حكاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمُرُ بنُ الْمُثَنَّى فِي كِتابِ الخيْلِ لَهُ مِنْ طريقِ الأوزاعيِّ أنَّ مٌهْرًا أُنْزِيَ عَلَى أُمِّهِ فامْتَنَعَ!؛ فأُدْخِلَتْ فِي بَيْتٍ وَجُلِّلَتْ بِكِساءٍ؛ وأُنْزِيَ عَلَيْها فَنَزَى، فَلَمّا شمَّ رِيحَ أُمِّهِ عَمِدَ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَطَعَهُ بِأسْنانِهِ مِنْ أَصْلِهِ!!.