الصفحة 6 من 159

فإنْ رَأَيْتَ مِنْ أَبْناءِ قَوْمِنا مَنْ لا يَقْنَعُ إلاَّ بِما طُبِعَ عَلَيهِ علامَةُ الأُمَمِ الغَرْبِيَّةِ من المَعْلُوماتِ والأخبار!؛ فاذكُرْ لَهُ ما ذَكَرَهُ (وِلْ ديُورانْت) في قِصَّةِ الحضَارة (1/ 1/66) فقال: (وَبَيْنَ الغُورِيلاّ والأُورَانْجُوتانِ يَدُومُ اتِّصالُ الوالِدَيْنِ حَتَّى نِهايَةِ فَصْلِ الإنْسال؛ ولاتِّصالِها هذا علاماتٌ كَثِيرَةٌ تُشْبِهُ فِيهِ بَنِي الإنسان، وكُلُّ مُحاوَلَةٍ تُحاوِلُها الأُنْثَى فِي اتِّصالِها بِذَكَرٍ آخَرَ؛ يُعاقِبُها عَليها عشيرُها عِقابًا صارِمًا!) .

فَتَبًّا لِمَنْ انْحَطَّ فِي غَيْرَتِهِ عَلى عِرْضِهِ وأعْراضِ المُسْلِمِينَ عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ!؛ {وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} .

الإسلامُ ونِعْمَةُ العقل:

لا نَعْلَمُ دِينًا ولا مِلَّةً ولا نِحْلَةً عَلى وَجْهِ الأرضِ مُنْذُ أنْ خَلَقَها اللهُ تعالى دَعَتْ إلى انْظِلاقَةِ العقُولِ فِيما فِيهِ خَيْرُ البَشريَّةِ كُلِّها كَدينِ الإسلام!!؛ فَدَعْوَةُ الإسلامِ إلى التوحيدِ وتَحْرِيرِ الإنسانِ مَن العُبُودِيَّةِ لغَيْرِ الله؛ ومُحارَبَةُ الإسلامِ للشركِ والخُرافَةِ؛ ومُنَاهَضَتُهُ للبِدَعِ التي تَغْشَى بِظُلْمَتِها العُقولَ فَتَحُدُّ مِنْ قُدْرَةِ المرْءِ عَلى تَسْخِيرِها فِيما يَنْفع؛ وثَناءُ الوحَيَيْنِ عَلى العِلْمِ والعُلَماءِ في مَقاماتٍ تَضيقُ عن الحصْر؛ ودَعْوةُ الإسلامِ إلى التفكُّرِ في آياتِ اللهِ الكونِيَّةِ واستْنِِباطِ ما فيها مِن المنافِعِ والأسرار وهِيَ في كِتابِ اللهِ نَحْوُ ألْفِ آية!؛ معَ ما خُتِمَتْ بِهِ في كثيرٍ من المَواطن مِنْ نَحْوِ قَولِهِ تعالى: {لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} في سورَةِ البقرة؛ وقَوْلِه: {لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} فِي آلِ عِمْران؛ وَقَوْلِه: {قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ؛ و قوله: {قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ؛ وقَوْلِه: {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فِي الأنعام، وَقَوْلِه: {لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} ؛ وقَوْلِه: {لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} فِي يُونُس، وقَوْلِهِ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ؛ وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} في الرعْدِ، وقَوْلِه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} في إبراهيم، وغَيْرِها مِنْ عَشراتِ المَواضِعِ في كِتابِ اللهِ تعالى.

وفي أسماءِ سُوَرِ القُرْآنِ مِمَّا سُمِّيَ بالآياتِ الكَوْنِيَّةِ: البقَرة؛ النساء؛ الأنعام؛ الرّعْد؛ النحْل؛ النُّور؛ النمل؛ العنْكَبُوت؛ الدخان؛ الذارِيات؛ الطُّور؛ النَّجْم؛ القَمَر؛ الحَديد؛ القلَم؛ الإنسان؛ التكْوِيرُ؛ الانْفِطارُ؛ الانْشقاقُ؛ البُرُوج؛ الطارِق؛ الفجر؛ البَلَد؛ الشمسُ؛ الليلُ؛ الضحى!؛ التينُ؛ العلقُ؛ الزّلْزَلَة؛ العادِيات؛ التكاثر؛ العَصْر؛ الفِيلُ؛ العَلَقُ!.

فَهذه الآياتُ التي أشرْنا إلى بَعْضِها؛ ثُمَّ أرْبَعُ وثلاثُونَ سُورَة؛ وما مِن اسْمٍ مِنها إلا ويَدُلُّ عَلى عِلْمٍ مِنَ العُلومِ الكَوْنِيَّةِ ويَفْتَحُ للمَعْرِفَةِ أبوابًا وأبوابا!؛ وكَمْ يُمْكِنُ أنْ يُدْرَجُ تَحْتَ هَذه الأسماءِ مِن العُلُومِ النافِعَةِ التي أصْبَحَتِ السمّةَ البارِرَةَ مِن سِماتِ عَصرنا؟!.

فَهْلَ مِنْ دَليلٍ فَوقَ هذا عَلى أنَّ الإسلامَ دينُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ؛ ودينُ انظِلاقَةِ النفْسِ والعقْلِ في آفاقِ الكَوْنِ الرحيبِ لتَجْعَلَ كُلَّ ما سُخِّرَ لَها مِنْ ذلكَ وسِيلَةً إلى سَعادَةِ الدينا والآخِرَة!.

الانْفِتاحُ وحِفْظُ العقل:

وزِدْ عَلَى هذا أنَّ الإسلامَ حَرَّمَ كُلَّ ما يَعُودُ عَلَى العَقْلِ بالضَّرَر؛ لأنَّ العَقْلَ قِوامُ كُلِّ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ؛ ومِنْ ذلكَ مَثَلًا تَحْرِيمُ الشرْعِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ؛ وأمْرُهُ بالحدِّ بِشُرْبِهِ مُبالَغَةً في حِفْظِ العَقْل؛ لما في تَعاطِيهِ مِنْ تَرَدِّي النفْسِ في وَرْطَةِ البَهِيمِيَّةِ؛ وتَغْييرِ خَلْقِ الله بإفْسادِ القُوَّةِ العاقِلَةِ التي مَيَّزَ الله تَعالَى بِها الإنسانَ عنِ البَهائِمِ وسائِرِ المَخْلُوقات؛ وما يَنْتُجُ عَنْ ذلكَ مِنْ فَواتِ مَصالِحِ المُجْتَمَع والأمَّة؛ ودَمارِ المَدَنِيَّةِ؛ وإضاعَةِ الأمْوالِ؛ والتعَرُّضِ لِهَيْئاتٍ مُنْكَرَةٍ يَضْحَكُ مِنْها الصبْيان، حتَّى حَكَى بَعْضُ أكابِر العُلَماءِ اتفاقَ المِلَلِ والنحَلِ عَلى شِدَّةِ قُبْحِِ المُسْكِر؛ فَكانَ تَحْرِيمُهُ مُوافِقًا للغايَةِ مِنْ سِياسَةِ الأمَّةِ وسَدِّ الذرائِعِ المُفْضِيَةِ إلى مُناقَضَةِ هذه المصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت