وقَدَّمَ الشرْعُ حِفْظَ الْعَقْلِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ، لأَنَّ النَّفْسَ تُفُوتُ بِفَوَاتِهِ؛ وبِدُونِهِِ يَلْتَحِقُ الإنْسانُ بِالْحَيَوَانَاتِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، وَمِنْ ثَمَّةَ وَجَبَ بِتَفْوِيتِهِ مَا وَجَبَ بِتَفْوِيتِ النَّفْسِ وَهِيَ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ.
ولا أَحَدَ مِنَ البَشَرِ يَرْضَى أنْ يُصابَ عَقْلُه!؛ حتى قال القائل:
يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسُومُنَا ... وَتْسْلَمُ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ!.
وسَنُّ القوانِينِ التي تُبِيحُ تَعاطِيَ الخُمُورِ وبَيْعَها فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلادِ المُسْلِمينَ مَعَ كَوْنِها عُدْوانا عَلَى حَقِّ اللهِ تعالَى وَحْدَهُ في التشْرِيعِ؛ هِيَ كَذلكَ جِنايَةٌ عَلَى الأمَّةِ كافَّةً؛ لِما فِيها مِنْ تَعْطيلِ مَنْفَعَةِ العقْلِ الذي يَرْجِعُ إليْهِ اسْتِثْمارُ النافِعِ مِنَ العلُومِ والمَعارِفِ التي هِيَ مِنْ أعْظَمِ أسبابِ القُوَّةِ وتَطَوُّرِ المَدنِِيَّةِ في الأمُم.
وهكذا يُمْكِنُكَ القولُ فِي كُلِّ قَانُونٍ قامَ عَلى أنقاضِ أحكامِ الشرْعِ!!، لا بُدَّ أنْ تَجِدَ فِيها جِنايَةً علَى مَصالِحِ الدنيا والآخِرَةِ، لأنَّ الشرْعَ لا تَتَحَقَّقُ بهِ المصالِحُ الكُلِّيَّةُ إلا إذا كانَ واضِعُهُ مُحِيطًا بِحاجاتِ الخَلْقِ لا يَخْفَى عَلَيهِ مِنْها شَيئ؛ وذلكَ مُتَحَقِّقُ في شرائعِ الإسلام وحْدَها.
إنَّ المََعْرِفَةَ والتَّرْبِيَّةَ كَلَيْهِما لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْتِيا ثِمارَهما المَرْجُوَّةَ إلا بِإصْلاحِ الأساسِ نَفْسِهِ؛ والتَّمْكِينِ لِدينِ اللهِ تعالَى؛ وأحْكامِ شَرْعِهِ أولا!، ولَيْسَ ذلكَ نافِلَةً يَسَعُنا أنْ نأتِيَ بِها أو نَتْرُكَها، بَلْ هُوَ أساسُ التوحٍيدِ وعِمادُ المِلَّةِ وَرُكْنُ الشريعَةِ؛ والفيصلُ بَينَ السعادَةِ والشقاءِ في الدنْيا والآخرة.
أما أنْصافُ الحُلُولِ؛ وتَرْمِيمُ الجِراحِ عَلى فَساد، فَصَنِيعُ مَنْ يَنْبَغِي أنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأطِباء:
إذا ما الجُرْحُ رُمَّ عَلى فسادٍ ... تَبَيَّنَ مِنْهُ إِهْمالُ الطبيبِ
انْظُرْ إلى قِصةِ ما عُرِفَ في أيامِنا هذه باسمِ (العَولَمَة) ؛ وهِي أمُّ الرياحِ التي يُرادُ بِها زَعْزَعَةُ ثَوابِتِنا، كَيْفَ نَقَلتْ إلى مُجْتَمعاتِنا الثقافَةَ الغَرْبِيَّةَ؛ ومِنْها بالطَّبْعِ بَلْ عَلَى رَأسِها الأخلاقُ الدخِيلَةُ الوافِدَة؛ التي لا تَنْتَسِبُ إلى أمَّتِنا بِصِلَةٍ؛ وهذه مِنْ مُهِمَّاتِ أدْوارِها إشعالُ نَيرانِ الشهَواتِ؛ وإغراقُ المُجْتَمَعِ في جَحِيمِها؛ لَكنْ لما كانَتْ مُجْتَمعاتُنا لا تَزالُ في صِراعٍ بَينَ الفَضيلَة التي هِيَ مِنْ أصولِها ومُقَوِّماتِها وبَينَ الرذيلَةِ الدخيلَة؛ وكانَ الإنسانُ بِحَيثُ يَتَجاذَبُهُ الطرفانِ ويتَنازَعانِهِ؛ ولا تَزالُ العاداتُ الحَسَنَةُ والتقالِيدُ الحَميدَةُ لها آثارُها في المُجْتَمع؛ ومِنَ العَسِرِ أنْ يَسْتَجيبَ المُجْتَمَعُ للتأثيرِ بالسرْعَةِ التي يُرِيدُها المُتَآمِرُ؛ كانَ لا بُدَّ مِنْ إيِجادِ طَرائِقَ وبَدائلَ يَتَقَبَّلُها المُجْتَمَعُ ولَوْ ظاهِرًا؛ لَكنها تَخْدِمُ المُتَآمِرَ في حَقِيقَةِ الأمر، كما يُفْعَلُ في كَثيرٍ من المُؤامَرات؛ والشواهِدُ يضيقُ عَنْها الحصْر؛ فَظَهَرَتْ مِنْ هذا البابِ الدَّعْوى إلى إباحَةِ الزواجاتِ التي لمْ نَكُنْ نَسْمَعُ بِها في مُجْتَمعاتِنا مِن قبل؛ كزواجِ (المسيار) ؛ (والزواجِ العُرْفِي) ؛ (وزَواجِ المِصْياف) ؛ (والزواجِ بِنِيَّةِ الطلاقِ) ؛ ولا نَزالُ نَسْمَعُ في كُلِّ يَوْمٍ جَديدًا!، وانْتَشَرَتْ الفَتاوَى التي تؤَيدُ ذلك بِقَصْدِ إيجادٍ حُلُولٍ للمَشاكِلِ الاجتِماعِيةِ التي أشرْنا إليها سابِقا؛ لكَنَّ انْتِشارَها مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كانَ مَطْلُوبًا!؛ لأنه يُشُكِّلُ غِظاءً يَتَسَتَّرُ بِهِ مَنْ وَقَعَ في شِباكِ التغييرِ وفي حِبالِ المُتآمِرين؛ حَتى تَتِمَّ مُمارَسَةُ الرذيلَةِ دُونَ مَعارَضَةٍ من المُجْتَمع، وهكذا تَبَيَّنَ فِيما بَعْدُ حِينَ ظَهَرَتْ تَبِعاتُ ذلكَ وآثارُه؛ وكَيْفَ اتُّخِذَ ذريعَةً لِنَشْرِ الفساد وتَدْمِير الأخلاق!.
ومِثْلُ هذه الحُلُولِ هِي التي نتَحَدثُ عَنها، وأنها هِي التي تُهْمِلُ أصْلَ الأَدْواء؛ وتُعْرِضُ عن النظَرِ في مَنْشأ العِلَّةِ؛ وإنْ نَظَرَتْ إليها تَحَدَّثَتْ عَنْها حَديثًا عارِضًا؛ وكأنها لا عِلاقَةَ لَها بِمشاكِلِنا!!.
ولَيْسَ ما قُلْتُهُ هنا تَقْليلًا مِن الجُهْدِ الفَرْدِيِّ الذي يَتَعَيَّنُ علَى الأَبَوَينِ وعلَى كُلَّ مُسلِمٍ في خاصَّةٍ نَفْسَهِ لِمُقاوَمَةِ هذه المَخاطِر، بَلْ هِي مِن الفُروضِ التي لا يَسعُ المُسْلِمَ تُرْكُها؛ {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} ، لكِنَّ