بِسْمِ اللهِ الرحْمَن الرحيم
أسمار - فَتاةُ القرْيَةِ وحَسناءُ المدينَةِ.
الحمدُ للهِ؛ وبَعْد:
فَلَمْ يَكُنْ حَدثًا مُعْتادًَا حِينَ تَسَلَّلَتْ مِن قَرْيَتِها بَينَ أَعْطافِ الظَلامِ؛ تَرْفَعُ غُصْنًا وتَلْوِي آخَرَ؛ وهِيَ تَخالُ خَشْخَشَةَ الحصادِ اليابِسِ تَحْتَ قَدَمَيْها أوْ دَقاتِ قَلْبِها أجْراسَ إنْذارٍ تَكادُ تُوقِعُها فِي أيْدِي اليَقَظَةِ مِن حُرّاسِ القَرْيَة!، ولَوْ أَنَّها تأمَّلَتْ لَحْظةً فِي عاقِبَةِ خُطُواتِها هَذهِ لآثَرَتِ المَوْتَ علَى ما تَصْنَعُ، ولأَذْكَرتْها عُيُونُ النُّجِومِ الساهِرَةُ أنّ ثَمّةَ عَيْنًا لا تَغفُلُ ولا تَنامُ!!؛ وإنْ غَفِلِتْ عَنْها عُيُونُ أمْثالِها مِن البَشر!، وهَا هِيَ تَصِلُ أخِيرًا إلَى اليَدِ الآثِمَةِ التِي لَمْ تُخْرِجْها مِنْ خِدْرِها إِلاَّ بَعْدَ أنِ امْتَدَت إلَى شَرَفِها وكَرامَتِها تُحاوِلُ اغْتِيالَهُما!، وكادَتْ تَفْعَلُ لَولاَ أنَّ اللهَ سَلَّم.
انْطلَقا مَعًا؛ ولا تَدْرِي إلَى أَينَ!!، كُلُّ شَيءٍ كانَ يَبْدُو لَها غَرِيبًا مَجْهُولًا، لَقَدْ شَعَرَتْ لأَوّلِ وهْلَةٍ أَنّها تَتِيهُ فِي بَيْداءَ سَتَنْتَهِي بِهَا إلَى ظَمَأٍ لَنْ تَجِدَ لَهُ رِواءً، أوْ إلَى عِلَّةٍ لَنْ تَبْلُغَ مَعَها شِفاءً، وتَخالُ نَفْسَها إذ ذاكَ وقَدْ أحِيطَ بِها؛ ونَزَلَ بِها الأمْرُ الذي لا مَرَدّ لَهُ ....
-يا إلَهِي!؛ أهَكذا أَقْضِي وَحِيدَةً شَرِيدَةً حَيثُ لا أُمَّ تَحْنُوا علَيَّ؛ ولا وَالِدَ يُؤانِسُ وَحْشَتِي، وَلا أَخَ ولا أُخْتَ يُخِفِّفانِ عَنِّي أحْمالَ الغُرْبَةِ وآلامَها؟!؛ تُرَى لَوْ علِمَ والِدايَ الآنَ بِما صِرْتُ إلَيْهِ - بَعْدَ الذي صَنْعْتُهُ بِهِما - فَما عَساهُما يَصْنَعان؟!، أيَغْفِرانِ لِي زَلَّةً زَلَلْتُها؛ وكانَتْ حِياتِي ثَمَنًا لَها؟!، وهَلْ تُسَوِّغُ لَهُما نَفْساهُما ذلكَ وقَدْ أصْبَحْتُ حَديثَ القَرْيَةِ؛ والقِصَّةَ التِي يَحْفَظُها الصغارُ والكِبار؟ ....
وأشَدُّ ما كانَ يَساوِرُها بَينَ حِينٍ وآخَرَ صَوتُ والدِها الذِي ما فِتِئَ يَتَخَوَّلُها بِنُصْحِهِ مُنْذُ أنْ شَبَّتْ يافِعَةً وَفَتَحَتْ عَيْنَيْها عَلَى ما حَوْلَها مِن الدنْيا، بَلْ إنَّ صَوْتَهُ لَمْ يُفارِقْها فِي مَتاهَتِها هَذه البَتّةَ!، فَلا تَزَالُ تَذكُرُ آخِرَ كَلَماتِهِ تَفْيضُ شَفَقَةً وحَنانًا؛ وهُوَ يَقُول:
-يا ابْنَتِي!؛ إنَّ عَينَ الحِكْمَةِ فِي وَضْعِ كُلِّ شَيءٍ فِي المَوْضِعِ الذِي يُناسِبُ طَبِيعَتَهُ ويُوافِقُ ما فُطِرَ عَلَيهِ، وكُلُّ دَعْوَةٍ تَخْرُجُ بالمَرْأَةِ عَمَّا خُلِقَتْ لَهُ فَإنَّما هِي الشقاءُ فِي ثِيابِ الحُرِّيَةِ، والضّياعُ وإنْ اسْتَتَرَ بالتَّقَدُّمِ والمَدَنِيَّةِ! ...
وقَطَعَ صَاحِبُها عَلَيْها فِكْرَتَها - وكَأَنّهُ قَرَأَ ما يَدُورُ فِي خاطِرِها - حِينَ قال:
_ مِن اليَومِ سَتَسْتَقْبِلِينَ حَياةً جَدِيدَةً يا (لُبْنَى) ؛ حَياةً تَشْعُرِينَ مَعَها أَنَّكِ بُعِثْتِ خَلْقًا جَدِيدًا! ورُوحًا كانَتْ مُقَيَّدَةً فِي سِجْنِ التّقالِيدِ والعاداتِ المَوْرُوثَةِ التِي لَمْ تَزَلْ حائِلًا بَيْنَ المَرْأةِ وبَينَ حُقُوقِها التِي حُرِمَتْها دَهْرًا طَويلًا!!، أَنْتِ اليَوْمَ يا (لُبْنَى) تَجِنِينَ ثَمَرَةَ كِفاحٍ دَامَ فِي (البِلادِ المُتَحَضِّرَةِ!) أعْومًا طِوالًا؛ تَضاءَلَتْ مَعَهُ كُلِّ سُلْطَةٍ كانَتْ تُفْرَضُ علَى المَرْأةِ؛ ومِنْها سُلْطَةُ الأبَوَين!، حَتَّى ذكَرَتْ (آن بلَمْبِتَر: Anne Plumptre) حِينَ تَجَوَّلَتْ فِي فَرَنْسا سَنَةَ (1802) للمِيلادِيّةِ أنّ الآباءَ لَمْ يَكُونُوا يَجْسُرُونَ علَى لَوْمِ الأبْناءِ أو تَوبِيخِهِمْ إِذا ارْتَكَبُوا شَيئًا مِن الأخْطاءِ؛ لأَنَّ الوَطَنِيِّينَ كانُوا يَعْتَبِرُونَ ذلكَ تَناقُضًا مَعَ مَبادِئِ الحُرِّيَّةِ!، بَلْ كانَ الأبْناءُ يَعُدُّونَ اعْتِراضَاتِ الآباءِ تَناقُضًا مَعَ القانُونِ، وبَلَغَتْ الحُرِّيَّةُ! بِهِمْ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ لأَبِيهِ إِذَا مَا وَبّخَهُ: الْتَفِتْ لِعَمَلِكَ! فَأَنَا وَأَنْتَ وَالنّاسُ كُلُّهُمْ أَحْرارٌ وَمُتَسَاوُونَ!.