الأمةَ الجادّةَ العامِلةَ أن تَسْتَغْرقَ من أوقاتِها في المُباحاتِ أكثَرَ من نِسْبَةِ المِلْحِ في الطعام!؛ فكيفَ بالممنُوعِ المَحظُور؟!؛ وكيفَ بخيرِ أمة أخرجتْ للناس.
ونَظْرةً واحدَةً في كتابِ الأغانِي لأبي الفرجِ الأصفهانِيِّ الذي ألِّفَ زَمنَ العباسِيينَ في العَصرِ الثاني من دَوْلَتِهم؛ أو في كتبِ الأدبِ الخاويةِ من الأدبِ!؛ التي ألفتْ زمنَ الأندلسيينَ؛ ومع هذا وقبله وبعدهُ من الكتبِ يظهرْ لكَ جَلِيًّا واضِحًا أحدُ أهم أسبابِ فناءِ تلكَ الأُمم وزوالِ هاتيكَ الدول، واعتَبرْ أيامَنا بأيامِهم وحالَ خاصتِنا بِخَاصّتِهم وعامّتِنَا بعامّتِهم يَنْتُجْ لك في الأصلِ والفرعِ حُكْمٌ واحِدٌ لا يتَخَلّف!. وهذه هي الثمرة الثانية.
وثالثةُ الثمار:
إن كثيرًا من الناسِ يظُنُّونَ أن السعادَةَ مَنُوطَةٌ بالتقوى المُجَرَّدَةِ عن التعبُّدِ بالسبَب!، وأن التقوى مَحْصورَةٌ في الصلاةِ والذكرِ والدعاء!، أو في العبَاداتِ دُونَ المُعامَلاتِ؛ أو في سَعْيِ المرْءِ في مَصالحِ نَفسِهِ دونَ مَصالحِ الأمةِ والمَجْموع!، وكأنّما كانَ هذا الظنُّ جوابًا عنْ مثلِ تلكَ النماذجِ التي أشرنا إليها في فاتِحةِ (السمر) ؛ وغابَ عنهم أنّ السعادَةَ في الدارَينِ مَنُوطَةٌ بِجُمْلةٍ من الأسْبابِ منها ما تَركُوهُ وضَيَّعوه!؛ لا ما أخذوا به فحَسْبُ!.
وهذا الظنُّ أوْرثَهمْ ظَنًا آخرَ!؛ وهو أن الأسبابَ التي أخذتْ بها الأممُ الغربِيةُ من أنواعِ العلومِ والمعارِفِ والمَهارَاتِ وانْتَزَعَتْ بِها القِيادَةَ من أَهْلِها لا تَعَلُّقَ لها بِبِنَاءِ الأُمّةِ ولا سَعادَتِها بِحال؛ بل هي ضرْبٌ من الابْتِلاءِ وظاهِرٌ من الحياةِ الدنيا يَجِبُ نبْذُهُ والإعْراضُ عنه!!.
وعلى النقيضِ من هؤلاءِ فريقٌ آخرُ قابلَ الجَهْلَ بالجَهلِ؛ وحَسِبَ الفريقَ الأولَ مثالَ الإسلامِ الأعْلى؛ فاتّهمَ الإسلامَ زورًا بالعَداءِ للعلم والمَعْرفة؛ حتّى افْتُرَضَ الإسلامُ سببًا لتَخَلُّفِ الأمَّةِ في أذهانِ أممٍ لا تُعدُّ ولا تُحْصى!!!.
والفريقانِ وإن كانا مُسْتَحِقَّينِ للّومِ؛ فإن الفريقَ الأولَ يَتَحَمِّلُ مِن التبِعَةِ الكِفْلَ الأكبر؛ لأنهُ الذي ورِثَ حِمْلَ الأمانةِ؛ واضطلعَ بِدَورِ إبلاغِها للناس، فكانَ عليه أن يأخذها بِحقِّها أو فَلْيَدَعْها.
وما هؤلاء ولا هؤلاءِ بإمامٍ مُبينٍ ولا سبيلٍ مُقِيم؛ بل كلُّ علمٍ نافعٍ وكلُّ معْرِفةٍ سُنَنيّةٍ كونيةٍ فهي من الأسبابِ التي تشتركُ فيها الأمم في البِناءِ وطَلَبِ السعادَةِ اشتِرَاكَها في الأسبابِ المنْظُورَةِ التي لا تَخْفى على أحد؛ كدفعِ المرض بالتداوي؛ والجوعِ بالطعام.
والإسلامُ أعظمُ الأديانِ السماويَّةِ حثًّا على ذلكَ وتَحْريضًا عليه؛ وفي كتابِ الله تعالى أكثرُ من ألفِ آية تُنبِّهُ إلى كنوزِ الكونِ وما أودِعَ فيها من الأسرارِ والحكمِ مما يُفَتِّقَ الأذهانَ وتَمْتَلِئُ به العُقُولُ والنفوسُ إشراقًا ونورًا؛ والحياةُ سعادةً وبَهاءً.
وبالله وحده التوفيق.