الإسْلامُ فِي أذْهانِ كَثِيرٍ مِن العامَّةِ بِحَياةِ القَهْرِ والحِرْمانِ؛ واسْتَمْرَأُوا طَبْعَ المَذلَّةِ والهَوانِ؛ لغِيابِ هَذا الأصْلِ عَنْهُمْ؛ وهُو الذِي بِهِ حَياةُ الأُمَم!.
فالهِجْرَةُ علَى هَذا لَيْسَتْ فِرارًا للمُحافَظَةِ علَى الصلاةِ والصيامِ وحَدْهُما؛ - وإنْ كانَتْ الهِجْرَةُ قَدْ تَجِبُ لأجْلِ هذا أيْضًا - بَلْ هِيَ لِصِيانَةِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ ورِعايَةِ أُصولِهِ وَقِيَمِهِ ومَبادِئِهِ، وهذِهِ العَقِيدَةُ مَعَ الأرْضِ والاسْتِقْرارِ هِي التِي تَصْنَعُ العِلْمَ والحَضارَةَ.
وإذا كانَ دِينُ الإسْلامِ اسْتِعْلاءً فِي المَبادِئِ والقِيمِ فالهِجْرَةُ ضَمانٌ لِذلكَ؛ لأَنَّ تَقْلِيدَ الأَقْوى طَبِيعَةٌ فِي البَشَرِ؛ وسَنَّةٌ اجْتِماعِيَّةٌ كما قالَ المُؤرخُ ابنُ خَلْدُون، وكَثِيرًا ما يَصْطِبِغُ الأَفْرادُ والجَماعاتُ بِصِبْغَةِ المُجْتَمعاتِ الكُبْرَىَ التِي يُهاجِرُونَ إلَيْها؛ وتَنْتَقِلُ إلَيْهمْ ثَقافَاتُهُمْ؛ ويُسْلَبُونَ بِطُولِ المُعايَشَةِ والمُخالَطَةِ ما كانَ يُمَيِّزُهُمْ عَمَّنْ سِواهِمْ، وهذا يَقَعُ فِي المَخْلُوقاتِ الحَيَّةِ الأُخْرَى كذلكَ؛ كَما نَبَّهَ الجاحِظُ فِي كَتابِ (الحيَوانِ) ؛ والقَزْوِينِيُّ فِي (عَجَائبِ المَخْلُوقاتِ) إلَى أثَرِ المُحِيطِ علَى طَبائعِ الحَيوانِ وسُلُوكِهِ وأوصافِهِ؛ حَتّى إنّهُ مَثلَ لذلكَ بالجِرادِ يَتَغَيَّرُ لَونُهُ بَحسْبِ المكانِ الذِي يكُونُ فِيه؛ وبالقَمْلِ يَتَلَوَّنُ بِلَونِ الشعْرِ الذِي يَسْكُنُهُ!، ومَثَّلَ القَزْوِينِيُّ بِأثَرِ بِلادِ الهِنْدِ علَى أعْمارِ الفِيَلَةِ وطُولِ أنْيابِها وذلكَ لا يُوجَدُ فِي غَيرِها من البِلادِ؛ وبالزرافَةِ لا تَتَولَّدُ إلاّ فِي أرْضِ الحَبَشَةِ؛ وغَيرِ هذا، وهذَا الأَثَرُ مَطَّرِدٌ فِي الأُمَمِ أيْضًا، وهُو ما يُسَمَّى فِي لُغَةِ العِلْمِ الحَدِيثِ (الامْتِصاصَ الثقافِيَّ) ، كَحالِ كَثيرٍ من الهُنودِ الحُمرِ معَ الهِجرَةِ الأوروبِيّةِ إلَى أمريكا؛ وكحالِ من بَقِيَ من المُسلَمينَ تَحْتَ حُكْمِ النصارَى فِي الأندَلُسِ بَعْدَ سُقوطِها؛ وكحالِ كَثِيرٍ مِن الأقْوامِ الذِينَ دَخلُوا الإسْلامَ فِي تارِيخِهِ الطويلِ، وما دامَ الإسْلامُ يَحْمِلُ المُثُلَ العُلْيا فِي الحَياةِ فَلا يَرْضَى إذَنْ بانْدِماجِ ثَقافَةِ أهْلِهِ فِي غَيرِها مِن الثقافاتِ؛ ولا ذَوبانَ الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ فِي غَيرِها من الأُمَمِ.
ثُمَّ الهِجْرَةُ فِي طَلَبِ النافِعِ من العُلُومِ:
ولا نَعْلَمُ دِينًا أحْدَثَ فِي نُفُوسِ مُعْتَنِقِيهِ وأتْباعِهِ من حُبِّ العِلْمِ ما أحْدَثَهُ دِينُ الإسْلامِ فِي نَفُوسِ أهْلَهِ، وما مِن عِلْمٍ نافِعٍ فِي تَحْقِيقِ مَصالِحِ الدُّنيا والآخِرَةِ دَقَّ ذلكَ العِلْمُ أو جَلّ إلا وآياتُ الكِتابِ تَتَناوَلُهُ وتُحَرِّضُ علَيهِ!؛ سُواءٌ كانَ مِن عُلُومِ الشرْعِ؛ أو مِن الدراساتِ العِلْمِيةِ التِي تَنقَسمُ اليومِ إلَى أرْبعِ مَجُموعاتٍ رَئيسَةٍ وهِي: الرياضياتُ والمنطِقُ؛ والعُلُومُ الطبيعِيةُ؛ وعلُومُ الحَياةِ؛ والعُلومُ الاجْتماعِية، وفِي قِصَّةِ مُوسَى علَيهِ السلامُ مَعَ الخَضِرِ عِبرَةٌ لِمَن تَدَبّرَ؛ وأَيّةُ عِبْرَة!!.
وثالِثُها: الهِجْرَةُ لِنَصْرَةِ الدِّينِ وإقامَةِ الشرْعِ؛ وحِمايَةِ المُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ؛ ورَفْعِ الظُلْمِ ودَفْعِ العُدْوانِ عَنْهُم، وهِي الهِجْرَةُ التِي جُعِلَتْ مُقَدِّمَةً للجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ.
فانْظُرْ إلَى هذه الثلاثَةِ الأنواعِ من الهِجْراتِ؛ تَراها جامِعَةً لكُلِّ مَصَالِحِ الدينِ والدُّنْيا، كَما تَرَاها أصْلًا لِبِناءِ الأُمَّةِ وصِناعَةِ الحَياةِ!؛ ولَعَلَّ هذَا مِن الحِكَمِ التِي انْطَوى علَيْها ذكْرُ هَذِهِ الهِجْراتِ الثَلاثِ فِي سُورَةِ الكَهْفِ؛ وهِي التِي وَرَدَ الفَضْلُ فِي قِراءَتِها كُلَّ يَومِ جُمُعَةٍ؛ لِيكُونَ ذلكَ تَذْكِيرًا لأُمَّةِ المُسْلمينَ بِما لا حَياةَ لَها إلاّ بِه:
فَفِي خَبَرِ أصْحابِ الكَهْفِ والرقِيمِ الفِرارُ بالدِينِ من الفِتَن!، وكانَ نُزولُها مما حرّضَ علَى الهِجْرَةِ إلى الحَبشَةِ.