دِيانَاتِها من العَقْلِ فَقَطْ؛ أوْ مِن الخُرافاتِ والأوهام تَرَى نَهْجَ حَياتِها مُسْتَمَدًّا من عَقائِدِها؛ كما تَرَى أَعْمالَها جارِيَةً علَى مُقْتَضاهَا؛ واللهُ تعالَى قَدْ سَمَّى ذلكَ دِينًا وإن كانَ باطِلًا فَقال: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ؛ وتَأثِيرُ البُوذِيَّةِ التِي ظَهَرَتْ قَبلَ ألْفَي عامٍ شَمالَ شَرْقِيِّ الهِنْدِ؛ ثُمَّ ازدادت انتِشارًا حَتَّى بلغت الصينَ واليابانَ إلَى أنْ بَلغتْ أوروبا وأمريكا وأستراليا في القرْنِ العِشرينَ، وتَأثِيرُ الكُونْفوشِيَّةِ الصينِيّةِ التِي نُسبَتْ إلَى الفَيلَسوفِ (كونْفوشيوس) ولم تَكن تُؤمِن برَبٍّ ولا دِينٍ؛ وإنّما دَعَتْ إلَى ترابُطِ المُجْتَمَعِ برباطٍ أخْلاقِي؛ وقيامِ نظامِ الحُكْمِ علَى أُسُسٍ أخْلاقِيَّةٍ عالِيَةٍ؛ وظَلَّتْ الديانَةَ الرئيسَةَ للدولَةِ من عام (100ق م) إلى عام (1900م) , وكذلكَ تَأثِيرُ الهنْدُوسِيَّةِ التِي يَعْتَنِقُها أكْثَرُ الهُنودِ؛ والتِي تَعْتَقِدُ فِي المظاهِرِ الكَونِيَّةِ المُخْلُوقَةِ كالسحابِ والمطَرِ والشمسِ أَنَّها مَظاهِرٌ مُخْتَلِفَةٌ للإلَهِ (براهما) ؛ وأنَّ (براهما) الإلهَ مَوْجودٌ فِي كُلِّ مَكانٍ!؛ تعالَى اللهُ عن كذبِ الخراصِينَ عُلُوًّا كَبيرًا.
أَقُولُ: تَأثِيرُ كُلِّ هذهِ الدياناتِ علَى الشعُوبِ الآسْيَوِيَّةِ؛ وبَقِيَّةِ مُعْتَنِقِيها مَثَلًا؛ وعلَى ثَقافاتِ تِلْكَ الأُمَمِ وحَياتِها ظاهِرٌ لا يُنْكَرُ.
والهِجْرَةُ لأجْلِ الدِّينِ مَعْرُوفَةٌ فِي أَدْيانِ الأُمَمِ والطوائفِ الكافِرَةِ؛ كَأصْحابِ النّزْعَةِ الصاحِبِيَّةِ التِي نَشأتْ فِي (إنجِلْترا) فِي القَرْنِ السابِعِ عَشَرَ المِيلادِيِّ؛ وهِي التِي تُعْرَفُ باسْمِ (الكويكَرْز) ؛ - وهِي طائفَةٌ تَرَى الحَياةَ لَونًا مِن العِبادَةِ؛ ولا تَلتَزِمُ فِي عبادَتِها شَعائرَ مُعَيَّنَةً؛ ويَتَعَبَّدُونَ تَعَبُّدًا جَماعِيًّا بالتِزامِ الصّمْتِ!؛ لِعِنايَتِهِمْ بالإصْلاحِ الروحِيِّ كما يَزْعُمُون - هذهِ الطائِفَةُ قامَ أحَدُ أفْرادِها وهُو (وِلْيَمْ بنْ) بتَأسِيسِ مُسْتَعْمَرَةِ (بِنْسِلْفانْيا) فِي أمريكا عامَ (1682) ؛ لِتكونَ مُهاجَرًا (للكويكرزِ الإنجِليزِ) الذِينَ يُضطهَدُونَ فِي (إِنجِلْتِرا) .
اسْتِعْلاءُ المَبادِئِ والقِيم:
والإسْلامُ - كَما أنْزَلَهُ اللهُ تَعالَى - فَوْقَ هذا كُلِّهِ، والعِلََلُ دائِمًا فِي الفَهْمِ العَلِيلِ للإسْلامِ؛ لا فِي الإسلامِ نَفْسِهِ، فَإذا كانَتْ أُمَمُ الغَرْبِ قَدْ ثارَتْ علَى دِياناتِها التقلِيدِيَّةِ لأَنَّها فَشِلَتْ فِي مُعالَجَةِ ضَروراتِ الحَياةِ ومُشكِلاتِها المُعاصِرَةِ؛ كَما أخْفَقَتْ عَقائِدُها فِي تَلْبِيةِ حاجاتِ الإنْسانِ الروحِيَّةِ!؛ فَإنَّ الإسْلامَ قَدْ بَلَغَ مِن ذلكَ مَدَىً لا غايَةَ وَراءَهُ، ولِذا كانَتِ الهِجْرَةُ المَشرُوعَةُ فِيهِ للمُحافَظَةِ علَى أُصولِهِ وقِيَمِهِ التِي لا يَكُونُ الإسْلامُ إسْلامًَا إلاَّ بِها!، وإلاّ تَفْعَلِ الأَمَّةُ ذلكَ كَانَ فِيهِ هَلاكُها؛ كَما تَتَعَرَّضُ الأحْياءُ مِنَ الطُّيُورِ وغَيرِها التِي ذكَرْنَاها سابِقًا للفَناءِ والانْقِراضِ إنْ هِي تَرَكَتِ الهِجْرَةَ وتَخَلَّتْ عَنْها!، وكَما أنَّ هَذِهِ لا يُغْنِيها عَن الهِجْرَةِ وفَرْةُ الطعامِ لأَنَّ الهِجْرَةَ جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِن دَوْرَةِ حَياتِها؛ فَكذَلِكَ لا يُغْنِي المُسْلِمَ عَنِ الهِجْرَةِ فِرارًا بِدِينَهِ وفَرَةُ أَسبابِ الحَياةِ وكَثْرَةُ الأرْزاقِ، بَلْ إنَّ الشرْعَ جَعَلَ أَعْظَمَ أسْبابِ الهِجْرَةِ إِظْهارَ الدِينِ؛ وأصْلُهُ تَوحِيدُ اللهِ تعالَى والوَلاءُ للمُؤمِنينَ والمُعادَاةُ للكافِرينَ، حَتَّى إنَّ الهِجْرَةَ لَتَجِبُ إنْ كانَ المَرْءُ لا يَقْدِرُ علَى إظْهارِ الدِينِ وإنْ كانَ قادِرًا علَى الصلاةِ والصيامِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ!، فَإنَّ دِينَ الإسلامِ لَيسَ العِبادَةَ الفَرْدِيَّةَ فَحَسْبُ؛ بَلْ هُو دِينُ الأمَّةِ وحَياةُ المُجْتَمَعِ، ولِذا لَما اخْتَلَّ هَذا المِيزانُ فِي حَياةِ الأُمَّةِ أصْبَحْتَ تَرَى مَن يُصَلِّي ويَصومُ ويَتَصَدَّقُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ وهُو مِِن أَعْظَمِ الناسِ مُواطَأَةً لأَعْداءِ الشرِيعَةِ!؛ يُبِيحُ بِلادَ الإسْلامِ لِكُلِّ عَدُوٍّ للإسْلامِ يَصْنَعُ بِها وبِأَهْلِها ما يَشاءُ؛ ثُمَّ يَزْعُمُ مَعَ ذلكَ أَنَّهُ من المُسْلمِينَ!، ولِذا ارْتَبَطَ