الصفحة 92 من 159

وأَنْتَ إذا قَرَاتَ فِي تارِيخِ ما يُعْرَفُ (بالإسْتِعْمارِ) الحَديث؛ رَأيْتُ الهِجْرَةَ البَشرِيّةَ سِياسَةً مُضطرِدَةً للاسْتِيلاءِ علَى البِلاد؛ كما فعَلَ الفِرنسيونَ مَثلًا فِي المَغْرِب الأقْصَى؛ بعْدَ توقيعِ معاهَدَةِ حمايَةٍ معَ السلطانِ عَبْدِ الحفِيظِ سَنَةَ (1912) ؛ فَدَخَلَ المَغْرِبَ مُستَوطِنُونَ فِرنْسِيونَ مِن المُزارِعِينَ وأصْحابِ المِهَنِ والتُّجارِ ورِجالِ الأعْمالِ؛ وبَلغَتْ الأرَاضِي التِي امَتلكَها هؤلاءِ (400) ألفَ هِكْتارٍ! فِي عَهْدِ المُقِيمِ العامّ (ليُوتِي) ؛ ثُمَّ فُتِحَ بابُ الاسْتِيطانِ بَعْدَهُ علَى مِصْراعَيْهِ!.

وهكذا صَنَعُوا فِي تونسَ أيْضًا؛ بَعْدَ أنْ فَرَضُوا الحِمايَةَ علَيْها!؛ ولَم يَعُدْ (للبايِ) الذِي كانَ علَى عَرْشِ تونُسَ سَنَةَ (1298) للهِجْرَةِ سِوَى الاسْمِ، خاصّةً بَعْدَ مُعاهَدَةِ (المُرسي) التِي التَزَمَ فِيها (الباي) - دونَ قَيدٍ أو شَرْطٍ! - القُبُولَ بأَيِّ تَعْدِيلٍ إدارِيِّ أو قضائِيٍّ أو مالِيٍّ يُدْخِلُهُ الفرنِسيونَ فِي تونس، واتبَعُوا سِياسَةْ استيطانِيَّةً كانَ من ثِمارِها أنْ تَحَوَّلَ نَحْوُ (مليُونِ) هِكْتارٍ مِن الأراضِي الزراعِيّةِ إلَى بِضْعٍ مِئاتٍ مِن (الغُزاةِ المُسْتوطِنينَ) ، ورَفَعَتِ السلْطَةُ الفرنسِيّةُ مُرتّباتِ الموظّفِينَ الفرنسيينَ تَحْريضًا لَهُم علَى الهِجْرَةِ إلَى تونُسَ والاسْتِقْرارِ بِها.

والاسْتِعْمارُ الإيطالِيُّ - الذِي سَيطَرَ علَى الصومالِ فِي سَنَةِ (1908) بَمُعاوَنَةِ بَريطانيا خَوفًا من تَدَخُّلِ الفرنسِيينَ - كانَ يَسْتَولِي علَى أخْصَبِ الأراضِي؛ ويُعْطِيها مِنَحًا للإيطالِيينَ المُهاجِرِينَ؛ معَ تَسْهِيلاتٍ تُشَجِّعُهُمْ علَى الهِجْرَةِ والاسْتِقرار.

ولَما ضَعُفَ حالُ الدوْلَةِ العُثْمانِيَّةِ فِي أواخِرِها؛ وتَسلّطَتِ الدُّوَلُ الاسْتِعْمارِيَّةُ علَى بِلادِ الإسْلامِ؛ دَفعَ ذلكَ المُسْلمِينَ في سورِيا وَفِلَسْطِينَ ولُبْنانَ إلَى الهِجْرَةِ؛ حَتّى هاجَرَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم فِي سَنَةِ (1860) إلَى دُوَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، ولما اعْتَصَبَ اليَهودُ أرْضَ فِلَسْطِينَ أُجْبِرَ أَهْلُها علَى الهِجْرَةِ مِنها؛ فكانَ من بَينِ ذلكَ المُهاجِرُونَ إلَى (البرازِيلِ) الذِينَ بَرَزَ مِنْ بَيْنِهِم مَن يُعْرَفُ بِشُعَراءِ المَهْجِرِ، ويَزِيدُ عَدَدُ المُهاجِرِينَ فِيها من المُسْلمينَ الآنِ علَى نَصْفِ مِلْيونِ نَسَمَةٍ.

وهذا من مَعانِي قَولِنا: إنَّ الهِجْرَةَ تَدْخُلُ تَحْتَ قانونِ التدافُعِ أيْضا؛ ولِهذا أمَرَ بِها الإسلامُ؛ وجَعَلَها قَرِينَةَ الجِهاد؛ وَمُقَدِّمَةً للتمْكِينِ للدِّينِ؛ والرفْعَةِ فِي الدنيا؛ وسَببًا لِرَفْعِ الظلْمِ عن البلادِ والعِبادِ، ولأنَّ الحَقَّ ما لَمْ يُبادِرْ بِهِ أهْلُهُ قَصْبَ السَّبْقِ؛ وإلاَّ تَسلَّطَ علَيهِ الظَلَمَةُ وأهْلُ الفَسادِ وطُغاةُ الأرْضِ، ويُؤَيّدُ هَذا تَسَبُّبُ غَزْوِ الاسْتِعْمارِ الأورُوبِيِّ لِبِلادِ العالَمِ الإسْلامِيِّ وما جَلَبَهُ إلَيْها من الجَهْلِ والفَقْرِ فِي هِجْرَةِ أَعْدادٍ كَبيرَةٍ من سُكانِ البلادِ المسْتَعْمَرَةِ إلَى البِلادِ التِي كانَتْ تَسْتَعْمِرُها!؛ خاصَّةً مَعَ ما سُمِّيَ بِنِهايَةِ الاسْتِعْمار!!، كَما وَقَعَ من هِجْرَةِ أعْدادٍ كَبيرَةِ من بِلادِ القارّةِ الهِنْدِيّةِ وجُزُرِ الهِنْدِ الغَربِيّةِ إلَى بَريطانيا، وهِجْرَةِ آخَرِينَ مِنْ أَنْدُونِيسيا وسُورِينامَ إلَى هُولَندا، وهِجْرَةِ غَيْرِهِمْ من دُولِ شَمالِ أفْرِيقيا إلَى فَرَنْسا.

فَانْظُرْ إلَى آثارِ رَحْمَةِ اللهِ!؛ كَيفَ جَعَلَ الهِجْراتِ - التِي هِيَ سِرُّ الحَياةِ؛ وسِرُّ كَرامَةِ الإنْسانِ؛ والتِي تَجْرِي مَعَ سُنَنِ الحَياةِ الكَونِيِّةِ - عِبادَةً لا يُوصَدُ بَابُها ما دامَ الإنْسانُ حَيًّا علَى الأَرْضِ:

فَرَاسُ ذلكَ: الهِجْرَةُ فِرارًا بالدِّينِ مِن الفِتَنِ، إذِ الدينُ رَاسُ المالِ أَوَّلًا وآخِرًا، وكَما أَنَّهُ سَبَبُ النَّجاةِ فِي الآخِرَةِ؛ فَإنَّهُ أساسٌ لِحَرَكَةِ الأُمَّةِ ونَهْضَتِها، ومَن طالَعَ تَوارِيخَ الأُمَمِ الأٌخْرَى رَأى لِدِيانَاتِها أَثَرًا لا يُنْكَرُ؛ حَتَّى الأُمَمُ التِي تَسْتَمِدُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت