الصفحة 91 من 159

وكَمْ مِن الهِجْراتِ فِي العالَمِ كانَ لَها أثَرٌ واضِحٌ علَى تارِيخِ البِلادِ؛ كما تَسَبَّبَتْ فِي نزاعاتٍ وحُرُوبٍ لَمْ تَعْرِفْ للعَدْلِ والشرَفِ مَعْنَىً!؛ كما وقعَ فِي تاريخِ أمْرِيكا؛ بَعْدَ هِجْرَةِ الغرْبِيينَ إلَيها؛ وخاصَّةً بَعْدِ استِقْلالِها عن بَريطانيا عامَ (1683) ؛ حيثُ ازْدادَ عدد المهاجِرينَ ازْديادًا واضحًا نتجتْ عنهُ حُروبٌ ضِدَّ (الهُنودِ الحُمر) سكانِ الغَرْبِ الأصْلِيّينَ الذينَ استوطَن أوائلُهُم أمريكا من نَحو (20) ألف عام؛ استَمَرَّتْ ثلاثَمائةِ عامٍ تَقْرِيبًا!، ولا يَزالُونَ يُطالِبُونَ بِرَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وحِمايَتِهِمْ مِن الزحْفِ الأوروبِي إلَى اليومِ؛ حَيثُ يعِيشُ منهم فِي أمريكا الآنَ نَحْو المليونَينِ؛ وفي كندا (350) ألفا.

وهكذا يُقالُ فِي هِجْرَةِ اليَهُودِ إلَى أرْضِ فلَسطينَ للاستِيلاءِ علَيها؛ بَعْدَ أنْ كَتَبَ (هيرتزل) المؤسسُ الحقيقِي للصهيونِيةِ كتابَهُ (الدولةَ اليهودِيةَ) عام (1895) ودعا فيهِ إلَى إنشاءِ شركَةٍ يهودِيَّةٍ تُشرفُ على شراءِ الأراضِي فِي فلسطينَ؛ واستِعْمارِها بالعُمّالِ والمِهَنِيّينَ والتجارِ اليَهُود، يُموِّلُ ذلكَ كُلَّهُ أثْرِياءُ اليهودِ المتناثِرونُ فِي البلادِ الأخرى؛ علَى أنْ يكونَ المُهاجِرونَ إلى فلسطينَ من اليهودِ الفقراءِ الذِينَ تَستَهْويهمُ البلادُ الجَديدَةُ هَرَبًا من الفَقْرِ وطَمَعًا فِي حياةٍ أفْضل، فَهْذِهِ هِجْرَةٌ ارْتَبَطَتْ بالقِتالِ لإنْشاءِ دَولَةٍ أَيْضًا.

وكانَتْ بِداياتُ الهِجْرَةِ اليَهُودِيَّةِ المُنَظّمَةِ إلَى فِلَسطينَ فِي عامِ (1882) بَعْدِ اغْتيالِ القَيْصَرِ فِي رُوسيا؛ فَأرْسَلَت الحَركَةُ الصهْيونِيَّةُ نَحْوَ ألفَينِ مِنْهُم إلَى فِلَسطينِ، وبَلَغَ مَجْمُوعُهم عامَ (1914) إلَى نَحْوِ (85000) ؛ وكانَ عَدُدُ سكانِ فلسطينَ يَومَها يُقَدَّرُ بنَحْوِ سبِعمائَةِ ألفٍ، وقَد أشرَفَتِ الوكالةُ اليهُودِيَّةُ التِي أسّسَها (حايِيمْ وايْزْمَن) وارتبطَتْ بالمُنَظّمَةِ الصُّهْيونِيّةِ العالَمِيّةِ مُنْذُ تَأسِيسِها عَلى تَنْظِيمِ الهِجْرَةِ اليهُودِيَّةِ إلَى فِلَسْطِينَ؛ خصوصًا بَينَ عامِي (1901 و 1917) ، ثُمَّ أُتِيَ بِكَثِيرٍ من اليَهُودِ إلى فِلسطينَ وقتَ نشوبِ الحَربِ العالَمية الثانِية، وجُمْلَةُ مَن دَخَلَ فلسطينَ من اليَهُودِ فِي عَهْدِ الاحْتلالِ البَريطانِي يُقَدَّرُ بِنَحْوِ خَمسمائَةِ ألفٍ يَهودِي!، ثُّمَّ وصلَ مِنْهم نَحْوُ (مليونِ يَهودِيٍّ) بَينَ عامَي (1948 , 1967) ، وفِي أواخِر الثمانِيناتِ وبدايَةِ التسعِيناتِ هاجَرَتْ أعدادٌ كَبيرَةٌ من يَهُودِ الإتحادِ السوفْيتِيِّ؛ ومن شَرْقِ أوروبا، وغيرِها من مُتَناثِر الأقلياتِ.

وَبَعْدَ أنْ صَدَرَ قَرَارُ الأمَمِ المَتَّحِدَةِ عامَ (1947) بِتَقْسيمِ (فلسطينَ) إلَى دَولَتَينِ! (عَرَبِيَّةٍ ويَهُودِيَّةٍ) !! - وكانَت نِسبَةُ اليَهُودِ قَدْ بَلغَتْ نَحوَ (31%) ؛ وتَحْتَ أيْدِيهمْ مِن أرَاضِي فِلَسْطينَ نَحْو (6%) - ثُمَّ لَمّا أُعْلِنَت الدولَةُ اليَهُودِيَّةُ فِي (15 مايو/ 1948) ؛ بَدَأتْ من يَومِها العِصَابَاتِ اليَهُودِيَّةِ بِإخراجِ أهْلِ الديارِ وطرْدِهم والاستيلاءِ علَى دورِهم وأراضيهِم وأملاكِهِم!؛ فَما وَقَعَتْ الهُدْنَةُ بَعْدَ لايٍ يَسِيرٍ (عامَ 1949) بَيْنَ اليَهُودِ والدُّولِ العَرَبِيَّةِ المُجاوِرَةِ!؛ حَتّى كانَت الأراضِي التِي استَولَى علَيها اليَهُودُ قَدْ بِلغَتْ (77%) من مِساحَةِ فلَسطين.

وَبَعْدَ احْتلالِ اليَهُودِ قِطاعَ غَزَّةَ عامَ (1967) ؛ أَصْبَحَتْ بذلكَ كافّةُ أرضِ فِلسْطينَ بالإضافَةِ إلَى أراضٍ من مِصْرَ وسورِيَّا تَحْتَ عُدْوانِ الغاصِبِينَ، فَصُودِرَتْ الأرَاضِي والمُمْتلكاتُ؛ وهُجِّرَ أهْلُ البِلادِ؛ وأنْشِئَتْ فِي ضَواحِي المُدُنِ ما يُعْرَفُ (بالمُسْتَوطَناتِ) لاسْتِقْبالِ المُهاجِرِينَ الجُدُدِ من اليَهُود، بلْ إنَّ بَعْضَ المُدنِ والقُرَى أُخْرِجَ مِنْها جَمِيعُ أَهْلِها فِي عامِ (1948) كما وقعَ فِي بِئرِ السبْعِ التِي يُطْلَقُ علَيها أحْيانًا عاصِمَةُ النقَبِ؛ وفِي مَدِينَةِ صَفد عاصِمَةِ الجليل أيْضًا، خاصَّةً وأنّ اليَهُودَ اتَّبَعُوا سِياسَةً فِي استِيعابِ الهِجْرَةِ اليَهُودِيَّةِ تَسْمَحُ لأَيِّ يَهُودِيٍّ فِي العالَمِ باسْتِيطانِ أرْضِ فِلَسْطينَ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت