الصفحة 90 من 159

فالهِجْرَةُ فِي الشرْعِ:

إذَا كانَتْ الأمْرَ بِهِجْرَةِ العَبْدِ إلَى رَبِّهِ تَعالَى تَوْحِيدًا لَهُ وإخْلاصًا ومُتابَعَةً لِشَرْعِهِ؛ فَذلكَ لأنَّ فِي العُبُودِيّةِ لَهُ سُبْحانَهُ تَحْريرًا للنَّفْسِ مِن قُيُودِ الهَوانِ وأَوْضارِ الذلَّةِ لَنَزَواتِ الأَهْواءِ وَشَطَحَاتِ العَبِيدِ.

وإذا كانَتْ أمْرًا بالهِجْرَةِ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيهِ طاعَةً لَهُ وامْتِثالًا لأَمْرِهِ؛ فَلأَنَّ رِسالَتَهُ - وهِي خاتَمُ الرسالاتِ - جامِعَةٌ لَفَضائلِ الرسالاتِ السماوِيَّةِ السابِقَةِ؛ مُتَضَمِّنَةٌ أسبابَ السعادَةِ فِي الدارَيْنِ، ولا بُدَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِن مَتْبُوعٍ - كما تَقْتَضِيهِ الطَبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ والجِبِلَّةُ الإنْسانِيّةُ - حَقًّا كانَ ذلكَ أو باطِلًا، وكُلُّ ما خَرَجَ عن دِينِ الإسْلامِ باطِلٌ؛ فَتَعَيَّنَ علَى كُلِّ من طَلَبَ النجاةَ اتَّباعُهُ علَيهِ الصلاةُ والسلام؛ ولا سَبِيلَ سِوى هذا.

وهاتانِ الهِجْرَتانِ - وهُما فَرْضٌ عَلى كُلِّ أَحَدٍ - أَصْلٌ لِتَوْجِيهِ حَرَكَةِ الحَياةِ التِي تَصْنَعُها هِجْرَةُ الجَماعاتِ البَشَرِيَّةِ، لأَنَّ تَخْلِيصَ النَّفْسِ مِمّا فِي داخِلِها مِن القُيودِ أَصْلٌ لازْدِهارِ حَرَكَةِ الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ، سَواءٌ كانَتْ هَذهِ القُيودُ عَقائِدَ ضالَّةً؛ أوْ نِظامًا سِياسِيًّا؛ أو اقْتِصادِيًّا؛ أوْ حَرْبِيًّا؛ أو اجْتِماعِيًّا؛ أو تَرْبَوِيًّا، وإذا كانَ رَفْعُ الحَرَجِ من أُصولِ الشرْعِ الإسْلامِيِّ؛ فَأَيُّ حَرَجٍ أعْظَمُ مِنْ ظُلْمِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِبَقائِهِ رَهِينَ الإلْفِ أسَيرَ العادَةِ التِي دَرَجَ علَيْها أسْلافُهُ وإِنْ كانَ فِيها القَضاءُ علَى إنْسانِيَّتِهِ وكَرامَتِهِ؟!.

ولِذا فَنَحْنُ نَرْفُضُ إِطْلاقَ القَولِ باطِّرادِ قانُونِ التَّكَيُّفِ مَعَ البِيئَةِ؛ والقَولِ بِأنَّهُ مُناقِضٌ لِقانُونِ تَنازُعِ البَقاءِ - علَى ما فِي هذا الثانِي مِن الفَسادِ أَيضًا -؛ بِنَحْوِ قَولِهِم: إنَّ الحَيَوَاناتِ الوَاطِئَةَ الضعِيفَةَ تَعِيشُ وتَنْمُو وفَقَ قانُونِ التكَيُّفِ؛ وأنَّ كُلَّ كائِنٍ يَسْتَطِيعُ أنْ يَحْتاطَ ويَتَلاءَمَ مَعَ الظُّرُوفِ التِي تُحِيطُ بِهِ!، خاصَّةً وأنَّ مَن وضَعَ هَذهِ النظَرِيّاتِ يَرْمِي إلَى تَطْبِيقِها علَى المُجْتَمَعاتِ البَشَرِيَّةِ، وإذا اعْتُرِضَ علَى قانُونِ (التَنازُعِ) هَذا بَأنَّهُ يُؤَدِِي إلَى حِرْمانِ الضَّعِيفِ من الحَياةِ وتَسلِيطِ القَوِيِّ علَيْهِ ظُلْمًا وعُدْوَانًا؛ فَإنَّهُ يُعْتَرضُ علَى قانُونِ (التكَيُّفِ) أيْضًا بَأَنَّهُ يُفْضِي إلَى رِضَى الإنْسانِ بالوقِعِ الفاسِدِ الذِي يَحْياهُ؛ وذلكَ مُخالِفٌ لطَبِيعَةِ الحَياةِ التِي يَنْشُدُها الإسْلامِ، ولِذا اخْتَرْنا مِن قَبْلُ عِبارَتِي (التدافُعِ) و (التعاوُنِ) لِوُرُودِهِما فِي الشرْعِ؛ وصِدْقِ دَلالَتِهما علَى المُرادِ؛ وقُلْنا أَنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما وللهِ الحَمْد.

والهِجْرَةُ بِمَعْنَى الانْتِقالِ مِن مَحَلٍّ إلَى آخَرَ جاءَتْ فِي الشرْعِ جارِيَةً مَعَ قَانُونِها الكَوْنِيِّ العامّ، فَإنَّ الإسلامَ لَما كانَ مُهَيْمِنًا علَى الشرائِعِ كُلِّها؛ يَعْلُو ولا يُعْلَى عَلَيهِ؛ اقْتَضَى ذلكَ مِن الأَخْذِ بِأسْبابِ القُوَّةِ ومَضاءِ العَزِيمَةِ وعلُوِّ الإرادَةِ ما يَحْصُلُ بِهِ المَقْصُودُ مِنْهُ؛ ولِهَذا اقْتَرَنَت الهِجْرَةُ فِي الشرْعِ بالجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ؛ كما قالَ عَلَيهِ الصلاةُ والسلام: إِنَّ الهِجْرَةَ لاَ تَنْقَطِعُ ما كانَ الجِهادُ، ويَعْنِي بالجِهادِ هُنا مُقاتَلَةَ العَدُوِّ كَما وَقَعَ التَصْرِيحُ بِهِ فِي رِوايَةٍ أُخْرَى، وثَبَتَ عَنْهُ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ أنَّ الهِجْرَةَ والجِهادَ لا يَنْقَطِعانِ إلَى قِيامِ الساعَةِ.

وارْتِباطُ الهِجْرَةِ بالجِهادِ فِي الإسْلامِ جارٍ مَع قانونِ السنَّةِ الكَونِيَّةِ أيْضًا؛ إلاَّ أنَّ الإسْلامَ جعَلَ ذلكَ عِبادَةً شَرِيفَةَ الغاياتِ والمَقاصِدِ؛ كما ألْمَحْنا إلَيهِ من قَبلُ فِي بَعْضِ هذهِ المُسامَراتِ حَينَ قُلْنا إنَّ القِتالَ نَزْعَةٌ فِظْرِيَّةٌ فِي البَشَرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت