وهذا الأَمْرُ نَحْنُ فِي أَشَدِّ الحاجَةِ إلَى تَدَارُكِهِ؛ حَتَّى نَجْعَلَ مِن الإسْلامِ مُرْشِدًا لِثَقافَةِ العَصْرِ؛ وحَتَّى يَكُونَ خِطابًا للمُثَقَّفِينَ قَبْلَ غَيْرِهِم؛ يَجْمَعُ بَيْنَ الأَصالَةِ والمُعاصَرَةِ؛ ويُزِيلُ أوْهامَ التَّعارُضِ بَيْنَ عَقائِدِهِ وقَواعِدِهِ وبَينَ ما يَسْتَجِدُّ مِن المَطالِبِ فِي حَياةِ الأفْرادِ وَالأُمَم.
وهَذا مَلْحَظٌ مُهِمٌّ فِي هَذهِ السنَّةِ الكَونِيَّةِ؛ يُقْرَأُ منْ خِلالِهِ أنَّ الوارِثَ المُقْبِلَ لِهَذهِ الحَضارَةِ هِيَ الأمَّةُ المُسْلِمَةُ بإذْنِ اللهِ، فَما تَوَقَّعَهُ جَماعَةٌ منْ كِبارِ المُؤَرِّخِينَ والباحِثِينَ الغَرْبِيِّينَ - مِن أمْثالِ (سُتودارد) فِي حاضرِ العالَمِ الإسْلامِي؛ وَأمْثالِ (وِلْ وَايرِيل ديُورانت) فِي قِصّةِ الحَضارَةِ الذِي صَرَّحَ بانْهِيارِ السِّيادَةِ الأورُوبِيَّةِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ!؛ ثُمَّ قال: إنَّ المُسْتَقْبَلَ يُوَلِّي وَجْههُ شَطْرَ المُحِيطِ الهادِئِ؛ فَلا بُدَّ للعقْلِ أن يُتابِعَ خُطاهُ هُناك، وأمْثالِ المُؤرِّخِ الإنْجِلِيزِيِّ (آرْنُولدْ توينِبي) ، وأمْثالِ (أوزْوِيلْتْ اشْبينْجْلَر) فِي كِتابِهِ (أُفُولِ الغَرْبِ) - ما تَوَقَّعَهُ هَؤلاءِ وغَيْرُهُم صَحِيحٌ مُوافِقٌ لِما نَحْنُ فِيه؛ جارٍ وفْقَ القَواعِدِ الكونِيّةِ التِي ذكَرْناها.
الهِجْرَةُ فِي الإسْلامِ:
وبَعْدُ؛ أَلَيْسَ مِمّا يُسْتَهْجَنُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ أنْ يَعُدَّ مُؤَرِّخٌ أورُوبِيٌّ كَبِيرٌ كأمْثالِ (توينْبِي) الهِجْرَةَ بِدايَةَ التَّدَهْوُرِ فِي تارِيخِ الرسَالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ؟!، مَعَ أنَّ هِجْرَةَ النِبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ - مَع ما تَضَمَّنَتْهُ من الحِكَمِ والأسْرارِ؛ ومِن حِفْظِ اللهِ لِنَبِيِهِ وتأيِيدِهِ لَهُ - مِن أَعْظَمِ الأَدِلَّةِ علَى نُبُوَّتِهِ ورِسالِتِهِ.
ولَقَدْ صَدَقَ مُحمدُ أسد أو (ليبولد فايس) حِينَ ذكَرَ عَجْزَ المُسْتَشرِقِينَ عن النُّفُوذِ إلَى أَعْماقِ الحَياةِ الإسْلامِيَّةِ، وأنَّهُ يَسْتَحِيلُ علَيهِمْ أنْ يَفْهُمُوا الوَحْيَ أو الهِجْرَةَ مَثَلًا لِبُعْدِهِمْ بِحُكْمِ تَكوينِهِم النفْسِيِّ والفكْرِيِّ عَن هذا النظامِ.
إنَّ هذا ليُذكِّرُنِي بِما فِي كتابِ الإمتاعِ والمُؤانَسَةِ لأبِي حَيانَ التوحِيدِيِّ إذْ نَقَلَ فِي مَجْلِسِ الليْلَةِ السادِسَةِ عَن ابنِ المُقَفَّعِ أَنَّهُ سألَ جَماعَةً من أصْحابِهِ: أَيُّ الناسِ أَعْقَلُ؟، فَوَقعَ الناسُ فِي أُمَمِ الأرْضِ؛ حَتى قالَ لَهُ بَعْضُهُم: الرُّومُ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهَا، بَلْ لَهُمْ أَبْدَانٌ وَثِيقَةٌ وَهُمْ أَصْحَابُ بِنَاءٍ وَهَنْدَسَةٍ، لاَ يَعْرِفُونَ سِوَاهُمَا، وَلاَ يُحْسِنُونَ غَيْرَهُمَا!.
ويُذكِّرُنِي أَيْضًا بِما فِي مُقَدِّمَةِ مُؤلِّفِ كِتابِ (قصَّةِ الحَضارَةِ) - حِينَ تَحَدَّثَ عن التَّعَصُّبِ الإقْلِيمِيِّ الذي يَسُودُ كِتاباتِ الأورُوبّيينَ التقْلِيدِيَّةَ؛ التِي تَبْدَأُ رِوايَةَ التارِيخِ من اليُونانِ وتُلَخِّصُ آسيا كُلَّها فِي سَطَرٍ واحِدٍ! -؛ فقال: لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ غلْطَةٍ عِلْمِيَّةٍ؛ بلْ رُبّما كانَ إخْفاقًا ذَرِيعًا فِي تَصْويرِ الواقِعِ؛ ونَقْصًا فاضِحًا فِي ذكائِنا. انْتَهَى.
وها أَنْتَ تَرَى بِما قَدَّمْناهُ أنَّ الهِجْرَةَ التِي جاءَ بِها الشرْعُ لا تَخْرُجُ عَنْ قانُونِ السنَّةِ الكَوْنِيِّةِ؛ كما هُو الشانُ فِي غَيْرِها مِن التكالِيفِ والأحْكامِ، ولَعَمْرُ اللهِ لَئِنْ دَلَّ هَذا علَى شَيْءٍ فَإنَّما يَدُلُّ عَلَى كَمالِ الشرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ؛ وأَنَّها راعَت الحاجاتِ الفَطْرِيَّةَ والضرُوراتِ الحَياتِيَّةَ أشَدَّ المُراعاةِ، وإِنَّما جَعَلَ الشرْعُ للهِجْرَةِ حُدُودًا وأَحْكامًا لاَ يَجُوزُ تَجاوُزُها والخُرُوجُ عَنْها رِعايَةً لمَصالِحِ العَبادِ فَي دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، كَما جَعَلَ الغايَةَ مِنْها ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللهِ تعالَى نَظَرًا للمَقْصَدِ الأَعْظَمِ الذِي خُلِقَ العِبادُ لَهُ، وإذا كانَ مَثَلُ السنَّةِ الكَونِيَّةِ مَثَلَ قُضْبانِ سِكَّةِ الحَدِيدِ كما أشَرْنا مِن قَبْلُ؛ ومثَلُ أَوامِرِ الشّرْعِ مَثَلَ الوَقُودِ الدافِعِ؛ فَإنَّ مَثَلَ الحُدُودِ والأحْكامِ مَثَلُ قَوانِينِ السَّيْرِ وإشارَاتِ التَوجِيهِ التِي يُؤمَرُ السائِقُ بالتِزامِها أثْناءَ حَرَكَتِهِ علَى الطريق، إنْ عَمِلَ بِها نَجَا وإلاّ هَلَكَ وأهْلكَ.