الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ إلَى العالَمِ الإسْلامِيِّ اليَومِ، ولَسْنا نُرِيدُ الحَدِيثَ عَن هَذهِ الفَوارِقِ الآنَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ هُنا هُوَ الحَدِيثُ عن القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَينَ الأمَمِ الذِي هُوَ من أَسبابِ تنقُّلِ الحضاراتِ؛ بلْ هُو مِن أسرارِ الحَياةِ وبَقائِها؛ وهُو الهِجْرَة.
حدِيثٌ لا بُدَّ مِنْهُ:
ولَيسَ حَدِيثُنا هَذا دَعْوَةً إلَى (هِجْرَةِ العُقُولِ) إلَى الغَرْبِ، وللِهِجْرَةِ فِي الشرْعِ حُدُودٌ راجِعَةٌ إلَى مُراعاةِ مَصالِحِ الدّينِ والدُّنْيا لا يَسَعُ المُسْلِمَ تَجاوُزُها، لكِنَّنِي فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَجِدُنِي نَافِرًا مِن حَدِيثِ الخَيالاتِ والأَوْهامِ، فَلا يَسَعُنا أنْ نُهْمِلَ المَطالِبَ الضرُورِيَّةَ للحَياةِ البَشَرِيَّةِ؛ التِي باتَتْ فِي العالَمِ الإسْلامِيِّ عُرْضَةً لِكُلِّ ناهِبٍ!؛ والتِي لا يَكُونُ الإنْسانُ إنْسانًا إلاَّ بِها؛ وعلَى رَأسِها كَرامَةُ الإنْسانِ بِضَمانِ المُحافَظَةِ علَى دِينِهِ ونَفْسِهِ وعِرْضِهِ وعَقْلِهِ ومالِهِ، وهِي الأُصولُ الكُلِّيَّةُ التِي ضَمِنَها الإسلامُ وكافَّةُ الشرائِعِ السماوِيَّةِ.
قالَ لِي بَعْضُ الأَصْحابِ مَرَّةً: ما الفَرْقُ الرَّئِيسُ الذِي يَشْعُرُ بِهِ الإنْسانُ بَيْنَ الحَياةِ فِي الغَرْبِ والحَياةِ فِي بَلْدَةٍ مِن بِلادِنا؟.
فَقُلْتُ لَه: راسُ الفُرُوقِ شُعُورُ المَرْءِ بِقِيمَتِهِ إنْسانًا!؛ لا أَنْ يَكُونَ أبْخَسَ الأشْياءِ ثَمَنًا؛ وأَقَلَّها قَدْرًا كَما يُشاهِدُهُ عِنْدَنا كُلُّ ذِي عَيْنَينِ!!.
وهذا الذي قُلْتُهُ للصاحِبِ لا يَسَعُ المَرْءَ إنْكارُهُ، وإنْ كانَ مِمّا يُؤْسَفُ لَهُ أنّنا أَحَقُّ بِهِ وأَهْلُهُ؛ ومَعَ ذلكَ فالحالُ ما تَعْلَم!، وإنَّما انْتَقَلَ ذلكَ إلَى الأُمَمِ الغَرْبِيَّةِ مِنَّا وعَنّا أَخَذُوهُ!؛ وذلكَ مِن أَهَمِّ ما يَتَنَقَّلُ بَيْنَ الأُمَمِ والشعُوبِ مِن الثَّقافاتِ؛ بلْ هُوَ أَهَمُّ مِن العُلُومِ نَفْسِها؛ بلْ هُوَ أساسُ انْظِلاقَتِها وازْدِهارِها، فَإنَّهُ لا أضَرَّ علَى الأُمَمِ مِن الحَجْرِ علَى العُقُولِ والمَواهِبِ والأفْكارِ؛ واعْتِيادِها تَقْلِيدَ ما دَرَجَ علَيهِ أسْلافُها حَتَّى وإنْ كانَ فِيهِ هَلاكُها!؛ وهُو الذِي كانَ واقِعًا فِي الأمُمِ الأورُوبِيَّةِ طَوالَ عُصُورِها المُظْلِمَةِ؛ إلَى أنْ جاءَ عَصْرُ النَّهْضَةِ المَعْرُوفِ، فالذِي نَحْنُ فِيهِ اليَومَ فِيهِ شَبَهٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ بالذِي كانُوا فِيهِ فِي تِلْكَ العَصُورِ!، وكَما أوْجَبَتْ الهِجْراتُ وتَلاقُحُ الثَقافاتِ فِي السابِقِ يَقَظَةَ الأُمَمِ الأورُوبِيَّةِ حَتَّى صارَتْ إلَى ما صارَتْ إلَيْهِ؛ فَمُقْتَضَى هَذهِ السنَّةِ الكَونِيَّةِ - وهِي كَما قُلْنا لكَ قَاعِدَةٌ لا تَتَخلَّفُ - أنْ تُوجِبَ أيْضًا يَقَظَةَ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ وتَهَيُّأَهَا واسْتِعْدادَها لِما هِيَ مُكَّلَفَةٌ بِهِ.
عَلَى أَنَّ الأُمَّةَ الإسْلامِيَّةَ عامَّةً؛ والمُسْلمِينَ العَرَبَ خاصَّةً أكْثَرُ اسْتِعْدادًا لِذلكَ من غَيرِهِم؛ وذلكَ لِما جَاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن قَواعِدَ لِبِناءِ الأُمَّةِ والمُجْتَمِعِ لا مَثِيلَ لَها فِي غَيرِهِ مِن الأَدْيانِ والأُمَمِ، ولَيْسَ الإشْكالُ فِي قَواعِدِ الإسْلامِ كَما يَتَوهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الكُتَّابِ اليَوْمِ!؛ لأَنَّنا رَأَيْنا أكْثَرَ هَؤلاءِ بَيْنَ مُتَحامِلٍ عَلَيْهِ!؛ أوْ بَيْنَ قاصِرِ النَّظَرِ خَفِيَتْ عَلَيهِ كَثِيرٌ مِنْ حَقائِقِهِ وأسْرارِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ التوفِيقَ بَينَ أُصولِهِ وبَيْنَ مَطالِبِ الحَياةِ المُعاصِرِةِ فِي خِطابٍ يُناسِبُ لُغَةَ العَصْرِ وثَقافَةِ أهْلِهِ!، ولُغَةُ الوَعظِ التِي أضْحَتِ السِّمَةَ الغالِبَةَ للمُتَحَدِّثِينَ عَنْهُ لَمْ تَعُدْ كافِيَةً وحْدَها فِي إبْلاغِ رِسالَتِهِ للناسِ!؛ ولَئِنْ نَفَعَتْ هَذهِ اللغَةُ أَقْوامًا مِن الناسِ فَلَطالَما قَصَّرَتْ عَن البُلُوغِ إلَى عُقُولِ الآخِرِينَ.