ويَعْنِي تَرْكَ آلافٍ من العُلماءِ مِن العَرَبِ وغَيرِهِمْ بِلاَدَهُمْ مُهاجِرِينَ إلَى أورُوبا وأمريكا؛ فَإنَّ هَذهِ الهِجْرَةَ - ويَهُمُّنا مِنهَا ما يَقَعُ فِي العالَمِ الإسلامِي - وإنْ كانَ لَها فِي العالَمِ الإسْلامِيِّ أسْبابٌ عِدَّةٌ علَى رَأسْها إقْصاءُ شَرْعِ اللهِ ودِينِهِ عَن الدَّولَةِ والحُكْمِ وما أنتجَ ذلكَ مِنْ سِياساتِ الظُلْمِ والقَهْرِ والعُدْوانِ علَى المَواهِبِ والعقُولِ بالحَجْرِ عَلَيها؛ وإنْ كانَ ذلكَ يَعُودُ علَى الأُمَّةِ المسلمَةِ بِتَرَدِّي العُلُومِ والصناعَاتِ وضَعْفِ الاقْتِصادِ؛ ومِن ثَمِّ الوقُوعِ فِي قُيودِ التَبَعِيَّةِ لِغَيرِها مِن الأُمَمِ - أقُولُ: إِنْ كانَ هَذا وذاكَ إلاَّ أنَّ هذا الوَجْهَ هُنا لَيسَ مَحلَّ بَحْثِنا؛ بلْ ما فِي هَذهِ الهِجْراتِ مِنْ الحَركَةِ البَشَرِيَّةِ التِي لا غِنَىً بِالإنْسانِ عَنْها، معَ ما فِيها مِنْ تَلاقُحِ الثّقافَاتِ وتَبادُلِ العُلُومِ والمَعارِفِ، وضَمانِ بِقاءِ الحَياةِ إلَى ما شاءَ الله؛ فَمَثَلُها مَثَلُ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ فِي جَسَدِ الكائِنِ الحَيِّ؛ هِيَ سَبَبُ بَقائِهِ إلَى أنْ يَشاءَ اللهُ؛ ولا يَمْنَعُ ذلكَ تَدَفُّقَ الدَّمِ إلَى العُضْوِ الصَّحِيحِ والعُضْوِ المَرِيضِ عَلَى حَدٍّ سَواءٍ، وكَما أنَّ الجِهازَ الدّورِيَّ - (وهُو الشبَكَةُ التِي تَحْمِلُ الدمَ خِلالَ الجِسْمِ) - يُؤَدِّي عَدَدًا مِن الوَظائِفِ الحَيَوِيَّةِ المُهِمَّةِ فِي التّنَفُّسِ؛ وفِي التَّغْذِيَةِ؛ وفِي إزَالَةِ الفَضَلاتِ والسمُومِ، وفِي حِمايَةِ الجِسْمِ مِن الأمْراضِ؛ وفِي المُحافَظَةِ علَى دَرَجَةِ حَرارَةِ الجِسْمِ ثابِتَةً لا تَتَغَيَّرُ؛ وفِي إمْدادِ أعْضاءِ الجِسْمِ وأنْسِجَتِهِ (بالهُرْمُوناتِ) التِي تُؤَثِّرُ علَى أنْشِطَتِها؛ فكذلكَ الحالُ هُنا فِي هذهِ السنَّةِ الكَونِيَّةِ؛ سُنَّةِ الهِجْرَةِ!.
وإذا كانَتِ الدُّولُ مِن شأنِها أنْ تُولَدَ ثُمَّ تَشِبَّ ثُمَّ تَشْتَدَّ ثُمَّ تَهْرَمَ ثُمَّ تَمُوتَ - شأنُها فِي ذلكَ شأنُ الإنْسانِ - فَقَد اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ تَعالَى أَنَّ القَدْرَ النافِعَ مِن الثقافاتِ والعُلُومِ لا يَمُوتُ بِمَوتِها؛ بَلْ يَنْتَقِلُ بَينَ الأُمَمِ انْتِقالَ الدَّمِ بَينَ أَعضاءِ الجَسَدِ الواحِدِ، وإلاَّ لأدَّى ذلكَ إلَى انْتِهاءِ الحَياةِ البَشَرِيِّةِ وفَنَائِها؛ كما يَفَنَى الجَسدُ بانْقِطاعِ الدَّمِ مادَّةِ الحَياةِ عَنْهُ، وذلكَ مُخالِفٌ لَما قَدَّرَهُ اللهُ تعالَى مِن بَقاءِ الحَياةِ علَى الأرْضِ إلَى أَجَلٍ قَدَّرَهُ سُبحانَهُ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ هُوَ، فَكَما لا تَفْنَى مادَّةُ الحَياةِ بِتَلَفِ عُضْوٍ مِن الأعْضاءِ أو ضَعْفِهِ؛ فَكَذلكَ لا تَفْنَى أسْبابُ البَقاءِ مِن الثقافاتِ والعُلُومِ النافِعَةِ بِفَناءِ أُمَّةٍ أوْ ضَعْفِها، والحَظْ هَذا المَعْنَى إنْ شِئْتَ فِي نَحْوِ قَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ فِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّما بُعْثْتُ لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاقِ!.
فِي الحَكْمَةِ اليونانِيَّةِ؛ وفِي الطبِّ اليونانِيِّ مَثَلًا؛ وفِي غَيرِهِما مِن المعارِفِ والعُلُومِ التِي أبْقَتْها تِلْكَ الأمَمُ ما هُوَ ظاهِرُ النَفْعِ قَلَّ ذلكَ أوْ كَثُرَ، فَلَمّا كانَ عَصْرُ الحَضارَةِ الإسْلامِيَّةِ وازْدِهارِها كانَ لَهُ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي المُحافَظَةِ علَى النافِعِ من تِلْكَ العُلُومِ وتَطويرِها وتَقَدُّمِها!، ثُمَّ لَمّا صارَ حَالُ المُسْلِمِينَ إلَى ما لاَ يَخْفَى؛ وضَعُفَ شأنُهُمْ فِي الأَنْدَلُسِ وغَيرِها؛ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الرّبانِيَّةُ انْتِقالَ تِلْكَ العُلُومِ والمَعارِفِ إلَى الأُمَمِ الغَرْبِيَّةِ كَما تَرَى، إذ المُسْلِمُونَ يَسْتَوُونَ مَعَ غَيْرِهِمْ فِي الأخْذِ بقانُونِ السنَّةِ الكَونِيَّةِ القَدَرِيَّةِ؛ ومَنْ ظَنَ أنَّ مُجَرَّدَ انْتِسابِ الإنْسانِ للإسْلامِ يَجْعَلُهُ خارِجًا عَن هَذهِ السنَنِ فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ الإسْلامِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَبْقَى مادَّةُ الحَياةِ هذهِ - وهِي العلُومُ والمَعارِفُ التِي هِي مِن أسْبابِ القُوَّةِ فِي الأَمَمِ - تَسْرِي فِي أعْضاءِ الجَسَدِ الإنْسانِيِّ؛ دُونَ أنْ يُخِلَّ بِسَرَيانِها فِي أعْضائِهِ ما أصابَ المُسْلِمينَ!.
وإنَّما يَحْصُلُ انْتِقالُ العُلُومِ والمَعارِفِ بِأسْبابٍ سُنَنِيَّةِ كَونِيَّةِ قَدَرِيَّةٍ أَيْضًا؛ مِنْها: هِجْرَةُ الجَماعاتِ البَشَرِيِّةِ التِي عَقَدْنا مُسامَرَتَنا هَذِهِ للحَدِيثِ عَنْها، وهذَا هُوَ الذِي يَقَعُ الآنَ فِي (هِجْرَةِ العَقُولِ) التِي أشَرْنا إلَيْها، مَعَ مُلاحَظَةِ جُمْلَةٍ مِن الفَوارِقِ المُهِمَّةِ بَينَ انْتقالِ الحَضارَةِ الإسْلامِيَّةِ إلَى الغَرْبِ والتِي وَقَعَتْ فِي القُرُونِ الوسْطَى وبَعْدَها؛ وبَينَ انْتَقالِ