الصفحة 86 من 159

وهكذا وقَعَ فِي بَقِيَّةِ البِلادِ التِي انْتَقَلَ إلَيْها المُسلمُونَ مُهاجِرِينَ فاتِحينَ؛ حَيتُ التَقَتْ الثقافَةُ العَرَبِيّةُ بِغَيرِها من الثقافاتِ؛ ونَشطَ علماءُ المسلمِينَ - بما فِي دِينِهِمْ من الحَثِّ علَى العلْمِ والتفَكُّرِ فِي آياتِ اللهِ الكَونِيةِ - فِي التعَرُّفِ على ما عِنْدَ غَيرِهِم من العُلُومِ والفُنُونِ بِحَرَكَةِ تَرْجَمَةٍ واسِعَةٍ بلغَتْ أوجَها فِي عَهْدِ الخلِيفَةِ المأمونِ العباسِي الذِي كانَ يُعْطِي وزنَ المُتَرْجَمِ من الكُتُبِ ذَهَبًا؛ ويَقْبَلُ الجِزْيَةَ من أهلِ الكِتابِ كُتُبًا!، فكانَتْ العُلُومُ التِي تُرْجِمَتْ مُقَدِّمَةً للأبْحاثِ العِلْمِيةِ التِي قامَ بِها العلَماءُ المسلمُونَ؛ ثُمَّ أضافُوا إلَيْها إضافاتٍ كانَتْ فِي كَثِيرٍ من المَواطِنِ أَهَمَّ من أُصولِها؛ وتَصحِيحًا لِقَواعِدَها.

والباحِثُونَ المُعاصِرُونَ يَذكُرُونَ أيْضاَ أنَّ الهِجْرَةَ سَبَبٌ لازْدِيادِ أعْدادِ السكانِ فِي بَعْضِ البِلادِ ونَقْصِها فِي أُخْرَى!؛ وهِي تُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ تَوزِيعِ السكانِ فِي العالَمِ:

كَهِجْرَةِ الشعُوبِ السوداءِ الناطِقَةِ بِلُغَةِ (البانْتُو) قَبْلَ حَوَالَي ألْفَيْ عامٍ؛ وهِي من أكْبَرِ الهِجْراتِ فِي التارِيخِ؛ هاجَرَتْ هَذهِ الشعُوبُ إلَى غاباتِ أفْريقيا الوُسطَى؛ ثُمَّ جُنوبًا؛ فِي هِجراتٍ دامَتْ أكْثَرَ من ألْفِ عامٍ!؛ حَتّى اسْتَقَرَّتْ فِي أَفْرِيقيا الوسطَى والشرْقِيّةِ والجَنُوبِية ...

وكَما وَقعَ فِي الهِجْرَةِ من اليَمَنِ إلَى الشمالِ فِي الجزيرَةِ العَرِبيّةِ قَبلَ الإسلامِ لأسبابٍ مُخْتَلَفَةِ؛ ثم بَعْدَ الإسلامِ حَيثُ هاجَرَ كثَيرٌ منْهم وَغَيْرُهُم من أَصْحابِ النّبِي صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ فاستقروا زَمَنَ الفُتُوحِ فِي بِلادِ الشامِ وغَيرِها من البِلاد ...

وكَما وقَعَ فِي الغَزْوِ المغُولِيِّ للعالَمِ الإسْلامِيِّ ونَتَجَتْ عَنهُ هِجراتٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ مِنْها ما كانَ إلَى الهِنْدِ؛ بلْ وصَلَ بَعْضُ الهِجْراتِ إلَى الغاباتِ القَرِيبَةِ من (موسكُو) عاصِمَةِ روسيا اليوم ...

وَكَمَا وَقَعَ فِي انْتِقالِ الأوروبِيّينَ إلَى الأمْرِيكَتَينِ، والأوروبِيينَ إلى استُرالِيا حتّى أوشكَ سكانُها الأصليونَ على الانقراض؛ وكانَ بَعْضُ الفَنّانِينَ البَريطانِيّينَ التشكِيلِيّينَ كَأمْثالِ (جُون جلُوفَر) و (إس. تِي. جيل) قَد صَحبُوا المُكْتَشفينَ الأوائلَ لأسْتُرالِيا؛ وصَوَّروا بالرسْمِ معالِمَ أستُرالِيا؛ وبَعَثُوا بِها إلَى أَقْوامِهِمْ؛ فَشَجّعَتْهُم علَى الهِجْرَةِ! ...

وكهِجْرَةِ الروسِ إلَى المُحِيطِ الهادِئِ؛ والصِّينِيّينَ إلَى مَنْشوريا مَثَلًا ...

وكَالهِجْراتِ إلَى (هُونْج كونْجِ) التِي كانَت مُستَعْمَرَةً بِريطانِيَّةً حِينَ تَنازَلَتْ الصينُ عَنها لِبريطانِيا فِي سَنَةِ (1842م) إلَى أنْ عادَتْ إلَى الصينِ فِي سَنَةِ (1997م) ؛ فَهَذِهِ كانَ عَدَدُ سَكُانِها لا يَزِيدُ عن خَمْسَةِ آلافٍ فِي سَنَةِ (1842) ؛ وهُو يَزيدُ اليومَ عن سَتّةِ مَلايِينَ بَعْدٍ مَوجاتٍ كَبيرَةٍ مَتتابِعَةٍ من الهِجْرَةِ.

كَما يَذكُرُونَ هِجْرَةَ اهلِ الأَرْيافِ إلَى الحاضِرَةِ سَعْيًا وَراءَ المَدَنِيَّةِ وأسْبابِ العَيْشِ ...

ويَذْكُرُونَ أيْضًا أنَّ الهِجْرَةَ قَدْ تَنْتُجُ عَن وقُوعِ المَجاعَةِ فِي بَلَدٍ ما؛ كما أنَّ المَجاعَةَ قَدْ تَقَعُ بِسَببِ تَدَفُّقِ أعْدادٍ كَبيرَةٍ من المُهاجِرِينَ - فِي الهِجْراتِ الداخِلِيّةِ - فِي بَعْضِ الأحْيانِ ...

وذلكَ كُلُّهُ - وإنِ اخْتَلَفَتْ بَواعِثُهُ وأسْبابُهُ - فَإِنَّ القَدْرَ المُشْتَرَكَ مِنْهُ داخِلٌ تحْتَ قانُونَي التدافُعِ والتَّعاوُنِ الذَيْنِ أشَرْنا إلَيْهِما؛ ونَعْنِي: أَنَّهُ تَعاوُنٌ مِن وَجْهٍ؛ وتَدافُعٌ مِن آخَرَ؛ بِحَسْبِ ما يَقْتَضِيهِ قانُونُ السنَّةِ الكَوْنِيّةِ، كَما يَمْكِنُ أنْ نُدْخِلَ فِي ذلكَ ما فِي هِجْرَةِ المُسْلِمينَ إلَى الغَرْبِ - علَى ما فِيها - مِن إبْلاغِ رِسالَةِ الإسْلامِ إلَى تِلْكَ الأُمَمِ؛ حَتَّى أَنْتَجَ هذَا فِي تِلْكَ المُجْتَمَعاتِ ما يُسَمِّيهِ اليَوْمَ بَعْضُ الأورُوبّيِينَ بِصِراعِ القِيَمِ!، واللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ولَهُ سُبْحانَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ.

وهكَذا الشانُ فِيما يَقَعُ الآنَ مِمّا اصْطُلِحَ علَى تَسْمِيَتِهِ (هِجْرَةَ العقُول) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت