الصفحة 85 من 159

وقَدْ ذكَرَ المُؤرِّخُونَ رَحِمَهُمُ اللهُ أنَّهُ لَما قَتَلَ التّتَارُ فِي بَغْدادَ وبِلادِ المَشْرِقِ كَثِيرًا مِن العُلَماءِ والنُّحاةِ؛ كادَتْ بِلادُ الشامِ ومِصْرَ أنْ تُصْبِحَا صِفْرًا مِن النُّحاةِ وأَهْلِ اللغَةِ!؛ لَولاَ أنْ تَدارَكَها اللهُ تعالَى بِدُخُولِ التَّتارِ فِي الإسْلامِ؛ ثُمَّ مُؤازَرَتِهِمْ ومُؤازَرَةِ الدُّولِ التِي خَلَفَتْهُمْ للعِلمِ والعُلَماءِ، فِي الوَقْتِ الذِي ساءَتْ فِيهِ أَحْوالُ المُسْلِمينَ فِي الأنْدَلُسِ؛ مِمَّا حَمَلَ كَثِيرِينَ مِن العُلَماءِ علَى الهِجْرَةِ مِن هُناكَ إلَى الشامِ ومَصْرَ واستِيطانِهِما؛ مِنْ أمْثالِ ابنِ مالكٍ؛ والشاطِبِيِّ؛ وأبِي حَيّانَ؛ وابنِ مَنْظُور؛ وغَيْرِهِمْ، وهَؤلاءِ كانُوا أساطِينَ العِلمِ فِي زَمانِهِم؛ فَأحْيَوْا مِن آثارِهِ ما انْدَرَسَ؛ وتَخَرَّجَ علَى أيْدِيهِمْ كَثِيرٌ مِن كِبارِ العُلَماءِ فِي المَشْرِقِ؛ فَدَوَّنُوا التّصانِيفَ وحَفِظُوا العِلْمِ لمَنْ جاءَ بَعْدَهُمْ فِي عَصُورٍ يَمْكِنُ أنْ نُسَمِّيَها عُصُورَ (الرُّكُودِ العِلْمِيِّ والثَّقافِي) فِي العالَمِ الإسْلامِيِّ؛ وهِي التِي تَمْتَدُّ مِنْ نِهايَةِ القَرْنِ التاسِعِ الهِجْرِيِّ أوْ بِدايَةِ العاشِرِ؛ إلَى نِهايَةِ عَصْرِ مَا سُمِّيَ (بالاسْتِعْمارِ) الحَدِيثِ.

وفِي القَرْنَيْنِ السابِعِ والثامِنِ الهِجْرِيَّيْنِ وَقَعَتْ نَهْضَةٌ عِلْمِيَّةٌ كُبْرَىَ؛ لَفَتَتْ أنْظارَ المُؤَرِّخِينَ فِي العالِمِ الإسْلامِي؛ فَدَرَسُوا أسْبابَها وآثارَهاَ، وكَأنَّما كانَتْ رَدّا علَى ما تَعَرَّضَ لَهُ العالَمُ الإسْلامِيُّ مِن الهَجَماتِ التَتَرِيَّةِ مِن جِهَة؛ والتآمُرِ الصلِيبِيِّ عَلى الأنْدَلُسِ؛ والذِي نَتَجَ عَنْهُ هِجْراتٌ إلَى المَغْرِبِ الإسلامِيِّ والمَشرِقِ مِن جِهَةٍ أُخْرَى!؛ وكانَ مِن رُوادِ هَذهِ النَّهْضَةِ ابنُ الصلاحِ؛ والنّوَوِيُّ؛ وابنُ تَيمِيَّة وتَلامِذَتُهُ؛ وابنُ قُدامَةَ المَقْدَسيُّ وأسرَتُهُ أسرَةُ عَلْمٍ تَوارَثَتْ العِلْمَ دَهْرًا طَويلا؛ وابنُ دقِيقِ العِيد؛ والعزُّ بنُ عبدِ السلامِ؛ ولسانُ الدينِ بنُ الخَطِيبِ؛ وابنُ خَلِّكانَ؛ والشهابُ الخَفاجِيُّ؛ وسعْدُ الدينِ التفْتازانِي؛ وابنُ خلدونٍ؛ والفيروزاباديُّ؛ وابنُ مَنظُور؛ وابنُ حجَرٍ العَسقَلانِي، وغَيرُهُم كَثِيرٌ؛ رحِمَهُم الله.

ولَئِنْ كانَتْ هَذهِ أمْثِلَةً لِما وَقعَ داخِلَ العالَمِ الإسْلامِيِّ؛ فَلِما يَقَعُ بينَ العالَمِ الإسلامِيِّ وغَيرِهِ من الأُمَمِ أمْثِلَةٌ أيْضًا:

فَحِينَ هاجَرَ المُسْلِمُونَ إلَى الأنْدَلُسِ واسْتَوْطَنُوها بَعْدَ فَتْحِها؛ وكانَ ذلكَ فِي أواخِرِ القَرْنِ الأولِ الهِجْرِيِّ؛ كانَ لِذلكَ أثَرٌ كَبِيرٌ علَى تَغَيُّرِ مَسارِ الحَياةِ فِي أورُوبا النّصْرانِيَّةِ! ...

سَواءٌ كانَ ذلكَ فِي العَقِيدَةِ؛ فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَن يُنْكِرُ (التثْلِيثَ) ويَدْعُوا إلَى وحْدانِيَّةِ اللهِ سُبحانَهُ؛ ومِنهُمْ مَن دَعا إلَى إنْكارِ عِبادَةَ الصُّورِ؛ ومِنْهُم مَن أنكَرَ الوُسطاءَ بَينَ اللهِ وبَينَ عِبادِهِ ...

أوْ كانَ فِي أثَرِهِ عَلى الحَياةِ الاجْتِماعِيّةِ؛ حَتَّى خَرَجَ مَن يَدْعُو إلَى الخُرُوجِ عَن سُلْطَةِ رِجالِ الكَنِيسَةِ الذِينَ حَرَّفُوا وبَدَلُّوا الكُتَبَ السماوِيِّةَ وفَرَضُوا علَى الناسِ رَهْبانِيَّةً وكَهَنُوتًا ما أنْزلَ اللهُ بِهِما مِن سُلطانٍ، بلْ ذكَرَ جَمْع من الباحِثِينَ الأوروبِيينَ وغَيرِهِمْ أنَّ (مارتِن لوثَرْ) زَعيمَ النهضَةِ الأوروبيةِ الحَدِيثَةِ كانَ مُتَأثِّرًا فِي آرائِهِ فِي العَقِيدَةِ والوَحْيِ والدينِ بِكِتاباتِ المُسْلِمينَ، ولَما كانَ دِينُ الإسْلامِ لا كَهَنُوتَ فِيهِ؛ وكانَ أَساسُ رِسالَتِهِ تَحْرِيرَ الإنْسانِ مِن العُبودِيَّةِ لغَيرِ خالِقِهِ؛ سواءٌ كانَتْ عُبودِيَّةَ الجَسَدِ؛ أو الرُّوحِ؛ أو العَقْلِ؛ فَقَدْ كانَ لِمبادِئِهِ هَذهِ أثَرٌ كَبِيرٌ فِي خُروجِ أوروبا من عَصُورِها المُظْلِمَةِ إلَى عَصْرِ النهْضَةِ الحَدِيثِ.

أو فِي أثَرِهِ عَلى الحَياةِ العِلْمِيةِ: ومِن أمثْلَةِ ذلكَ أنْ تُرْجِمَ القانُونُ فِي الطبِّ لأَبِي علَي بن سينا - المتوفى سنة (428) ؛ وهو بلخِيُّ المولدِ - إلى اللغَةِ اللاتِينِيَّةِ فِي القَرْنِ الثالِثِ عَشرَ المِيلادِيِّ؛ وأُعِيدَ طَبعُهُ فِي القَرْنِ الخامِسِ عَشَرَ؛ ثمَّ فِي السادسِ عَشرَ مراتٍ كَثِيرَة، وكذا الحاوي فِي صناعَةِ الطبِّ لأبي بَكْرٍ الرازِي المتوفّى سَنَةَ (320) أعْظَمِ الأطِباءِ فِي التارِيخِ الإسلامِيِّ شَرْقًا وغَرْبًا فِي وَقْتِهِ؛ تُرْجِمَ فِي نِهايَةِ القَرْنِ الثالِثِ عَشر، وشَجّعَ (روجَرْ بيكُون) المتوفَى سَنَةَ (1292م) - وهو عالمٌ فَيلَسوفٌ إنْجِلِيزِيٌّ - علَى تَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ وأَخْذِ العُلُومِ عنِ العَرَبِ المسلمِينَ؛ بَعْدَ أنْ صَنَعَ هُو بِنَفْسهِ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت