الصفحة 84 من 159

العالَمِ فِي الوَقْتِ الحالِيِّ فِي إِحْصاءاتٍ لِبَعْضِ المُنَظَّماتِ الدّوْلِيَّةِ بِنَحْوِ مائتَي (200) مليونٍ مِن البَشَر!، مَع اعْتِرافِهِم بأنَّها إحصاءاتٌ غَيرُ دَقِيقَةٍ فِي الجُمْلَةِ.

والإنْسانُ طُلَعَةٌ (أي: كَثِيرُ التَّطَلُّعِ) مِن وَجْهٍ؛ مَدْفُوعٌ بالجِبِلَّةِ إلَى اكْتِشافِ ما حَولَهُ والتَّعامُلِ مَعَهُ مِن وَجْهٍ ثانٍ؛ وَهُوَ مَدَنِيٌّ بالطَّبْعِ كما يُقالُ مِن وَجْهٍ ثالِثٍ، كَما أَنَّهُ هَلُوعٌ مَنُوعٌ جَزوعٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ تعالَى فِي الكَونِ سُنَنًا تَقْضِي بِبَقاءِ الحَياةِ فِيهِ قائِمَةً علَى أُصولٍ كُلِّيَّةٍ جامِعَةٍ لا تتَغَيَّرُ ولا تَتَبَدَّل؛ وإن عَرَض التَّغَيُّرُ والتَّبَدُّلُ لأبْعاضِها وأجْزائِها، وكَما أَنَّ (التّدافُعَ) سُنَّةٌ مِن تِلْكَ السُّنَنِ التِي تَحْكُمُ سَيرَ المُجْتَمعاتِ البَشرِيَّةِ؛ وبِها يَتَمَيّزُ الحَقُّ مِن الباطِلِ؛ فَكَذلكَ (التّعاوُنُ) سُنَّةٌ مِن هَذهِ السنَنِ أَيْضًا.

فَهَهُنا قَانُونانِ:

قانُونُ (التَّدافُعِ) لأجْلِ إبْقاءِ الأصْلَحِ الذِي يَنْفَعُ الناس، وَقَانُونُ (التّعاوُنِ) للغايَةِ نَفْسِها، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما كَما يَتَصَوَّرُهُ بَعْضُ المُعاصِرِينَ؛ حَتّى ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى تَرْجِيحِ (التّعاوُنِ) عَلى (التدافُع) !، بلِ الصوابُ أنَّ كُلاَّ مِنْهُما مُكَمِّلٌ للآخَرِ مِن وَحْهٍ، وإذا كانَ المُجْتَمَعُ الإنْسانِيُّ كالجَسَدِ الواحِدِ؛ فَمَثَلُ ما نَحْنُ فِيهِ من قانُونِ (التدافُعِ) حِينَئِذٍ؛ كَمَثِلِ قُوَّةِ المَناعَةِ التِي أودَعَها اللهُ تَعالَى فِي جَسَدِ الكائِنِ الحَيِّ لِطَرْدِ كُلِّ دَخِيلٍ يَضُرُّ بِهِ، ومَثَلُ قانُونِ (التّعاوُنِ) مَثَلُ أَعْضاءِ الجَسدِ يُكَمِّلُ بَعْضُها بَعْضًا؛ وتَتَآزَرُ عَلَى ما فِيهِ بَقاؤُهُ وصَلاحُهُ.

وهذا المَعْنَى المذكُورُ فِي قانُونِ (التعاوُنِ) أشارَ إلَيهِ ابنُ تَيمِيةَ المُتَوَفَّى سَنَةَ (728) رَحِمَهُ اللهِ بِقَولِهِ في بعضِ رَسائلِهِ: فَإنَّ بَنِي آدَمَ لا يُمكنُ عَيشُهُم إلاَّ بِما يَشتَرِكُونَ فِيهِ مِن جَلْبِ مَنفَعَتِهِمْ ودَفْعِ مَضرّتِهِم؛ فاتِّفاقُهُمْ عَلى ذلكَ هُو التعاقُدُ والتخالفُ، ولهذا كانَ الوفاءُ بالعُهُودِ من الأمورِ التِي اتفقَ أهْلُ الأرْضِ علَى إيجَابِها لبَعْضِهِم على بَعْضٍ، وإن كانَ مِنهُمُ القادِرُ الذِي لا يُوَفِّي بِذلكَ؛ كما اتّفَقُوا فِي إيجَابِ العَدْلِ وَالصِّدقِ؛ فإذا اتّفَقُوا وتَعاقَدُوا على اجْتِلابِ الأَمْرِ الذِي يُحِبّونَهُ ودَفْعِ الأمْرِ الذِي يَكْرَهُونَهُ؛ أعانَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا على اجْتِلابِ المَحْبوبِ؛ ونَصَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا علَى دَفْعِ المَكْرُوهِ؛ ولَو لَم يَتَعاقدُوا بالكَلامِ، فَنَفْسُ اشْتِراكِهِمْ فِي أمْرٍ يُوجِبُ عَلَيهم اجْتِلابَ ما يُصْلِحُ ذلكَ الأَمْرَ المُشتَرَكَ ودَفْعَ ما يَضُرُّهُ؛ كأهْلِ النسبِ الواحِدِ وأهْلِ البَلَدِ الواحِدِ، فَإنَّ التناسُبَ والتّجاوُرَ يُوجِبُ التّعاوُنَ علَى جَلْبِ المَنْفَعَةِ المُشتَرَكَةِ؛ ودَفْعِ الضرَرِ المُشتَرَكِ. انتهى.

و (الهِجْرَةُ) عَلَى هَذا تَنْدَرِجُ تَحْتَ قانُونِ (التَّدافِعُ) مِن جِهَةٍ، وتَحْتَ قانُونِ (التَّعاوُنِ) مِن جِهَةٍ أُخْرَى!:

فَكَثِيرٌ مِن الهِجْراتِ عَبْرَ التارِيخِ - وإلَى يَوْمِنا هذَا - كانَت سَبَبًا لِتَبادُلِ العُلُومِ والمَعارِفِ؛ وتَنَوُّعِ الخِبراتِ والتَّجارِبِ؛ بلْ كانَتْ سَبَبًَا لتَقَدُّمِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والمُحافَظَةِ علَيْهِما مِن الدُّرُوسِ والضَّياعِ، ومِمّا يَلْفِتُ الأنْظارَ أَنَّ التَقَدُّمَ العِلْمِيَّ الذِي تعَدَدَتْ مَظاهِرُهُ؛ وتَنامَى فِي أوساطِ القَرْنِ التاسِعِ عَشَرَ المِيلادِيِّ فَما بَعْدَها تَنامِيًا أثَّرَ علَى سُرْعَةِ التّبادُلِ الثّقافِيِّ بَيْنَ الأُمَمِ؛ لَمْ يَحُدَّ مِن أثَرِ قانُونِ الهِجْرَةِ السَنَنِيِّ علَى تَبادُلِ العُلُومِ والمَعارِفِ، بَلْ لَو قِيلَ إنّهُ زادَ من أثَرِها لَم يَكُنْ بَعِيدًا عن الصوابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت