الصفحة 83 من 159

لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ؛ {لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ؛ {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ؛ {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؛ {يَعْقِلُونَ} ؛ {يُؤْمِنُونَ} ؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} .

وانْظُرْ كَيْفُ أَثْمَرَ تَعَدُّدُ آياتِ اللهِ فِي مَخْلُوقاتِهِ تَنَبُّهَ الناسِ إلَى ما أُودِعَ فِي هذهِ الأحْياءِ مِن المَحاسِنِ والمَساوِئِ!؛ حَتَّى قالَ بَعْضُ السابِقِينَ: ما فِي الأَرْضِ آدَمِيٌّ إِلاَّ وفِيهِ شَيءٌ مِن صِفاتِ هَذهِ المَخْلُوقاتِ؛ سَواءٌ ما كانَ مِنْها حَسَنًا أوْ قِبِيحًا، فَمِنَ الناسِ مَن يُقْدِمُ إقْدامَ الأسَدِ؛ ومِنْهُم مَن يَحْذرُ حَذَرَ الغُرابِ؛ ومِنْهُم مَن يانَفُ أنَفَةَ الجَمَل؛ أوْ يَكْمُنُ كُمُونَ الفَارِ؛ أوْ يَفِي وَفاءَ الكَلْبِ؛ أو يَسْخُو سَخاءَ الدِّيكِ، أوْ يَتَلَطَّفُ تَلَطُّفَ الهِرَّةِ، ونَحْوُ هذا.

وفِي المُقابِلَ تَرَى فِي الصفاتِ المذْمُومَةِ؛ مَن يَتَكَبَّرُ تَكَبُّرَ الطاوُوسِ!؛ أو يَرُوغُ رَوَغانَ الثعْلَبِ!؛ أَوْ يَغْدِرُ غَدْرَ الذئبِ!؛ أو يُعادِي عَداوَةَ العَقْرَبِ فَلا يَأمَنُهُ الجارُ وَلا القَرِيبُ!؛ أوْ يَظْلِمُ ظُلْمَ الحَيَّةِ!؛ أو يَكْذِبُ كَذِبَ الفاخِتَةِ! (نَوعُ من الحَمامِ المُطَوَّقِ؛ وفِي الصحابِيَّاتِ أرْبَعٌ سُمّينَ بِهِ) ؛ أوْ يَخْبُثُ خُبْثَ القِرْدِ!؛ أو يَلْؤُمُ لُؤْمَ الخِنْزِيرِ؛ إِذا أُلْقِيَ إلَيْهِ الطعامُ الطيِّبُ أَعْرَضَ عَنْهُ وتَركَهُ؛ فَإذا قامَ الرجُلُ عَن رَجِيعِهِ وَلَغَ فِيهِ، وهكذا تَجِدُ فِي الناسِ مَن يَسْمَعُ مِنْكَ مائَةَ حِكْمَةٍ فَلا يَحْفَظُ مِنها واحِدَةً!؛ فَإنْ أخْظَأتَ مَرَّةً واحِدَةً حَفِظَها وطارَ بِها؛ فَلم يَجْلِسْ مَجْلِسًا إلاَّ حَدّثَ بِها وَرَواها عَنْكَ!!.

الإنسانُ والهِجْرَةُ:

وعلَى هذَا فَفِيما أوْدَعَهُ اللهُ تَعالَى فِي هذهِ المَخْلُوقاتِ مِن سُنَّةِ الهِجْرَةِ سَبِيلٌ لِتَعْلِيمِ الإنْسانِ كَذلكَ؛ وتَنْبِيهٌ علَى أنَّهُ جُزْءٌ مِن النظامِ الكَبِيرِ الذِي يَجْرَى بَتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ وتَدْبِيرِهِ سُبْحانه؛ بلْ التّنْبِيهُ علَى هَذهِ السنَنِ الكَونِيَّةِ أهَمُّ فِي حَياةِ الأُمَمِ مِن التَنْبِيهِ علَى سِرٍّ مَخْزُونٍ من الأسْرارِ العِلْمِيَّةِ التِي يَنْتَفِعُ بِها الإنْسانُ فِي مَعاشَهِ، وهكذا الهِجْرَةُ فِي الإنْسانِ حَرَكَةٌ دائِبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ هِيَ سِرُّ بِقائِهِ فِي الحَياةِ إلَى أنْ يَشاءَ الله؛ كَما أَنَّها سِرُّ ازْدِهارِهِ وتَقَدُّمِهِ فِي العِلْمِ والمَعْرِفَةِ، وَهذا مِن أسْرارِ أمْرِ الشارِعِ بِها!؛ وقَدْ قُلْنا لكَ من قَبلُ فِي بَعْضِ هَذهِ المُسامَراتِ: إنَّ الأمْرَ الدِينِيَّ الشَّرْعِيَّ حاءَ مُوفِقًا للأَمْرِ الكَونِيِّ القَدَرِيِّ حِكْمَةً مِن اللهِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، مِمَّا يَدُلُّ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى أنَّ هذا الدِينَ العَظِيمَ مِن عِنْدِ اللهِ؛ وأنَّ الخُرُوجَ عَن أَوامِرِهِ الدِينِيَّةِ الشرْعِيَّةِ كالخُرُوجِ عَن السنَّةِ الكَونِيَّةِ يُفْضِي إلَى الفَشَلِ وتَعْطِيلِ أسْبابِ الحَياةِ.

وما فِي بَعْضِ المَوسوعاتِ العِلْمِيَّةِ المُعاصِرَةِ؛ مِن أنَّ الهِجْرَةَ ظاهِرَةٌ حَدِيثَةٌ!؛ وأَنَّ السبَبَ فِي ظُهُورِها الحاجَةُ إلَى قيامِ اقتصادٍ (رأسمالِيٍّ) عالَمِيٍّ ... فَغَيرُ صَحِيح، إلاَّ أنْ يُقَيَّدَ ذلكَ بِظاهِرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ كَما حَصَلَ بَعْدَ ظُهُورِ الدُّولِ القَوْمِيَّةِ الحَدِيثَةِ؛ حَيثُ أصْبَحَتِ الهِجْرَةُ أَمْرًا سِياسِيًّا؛ إذْ تَحْرِصُ تِلْكَ الدُّوَلُ عَلى تَجانُسِ تَرْكِيبَتِها السُّكانِيِّةِ؛ وتَمَيُّزِها بِثَقافَةٍ يَشتَرِكُ فِيها جَمِيعُ أَفْرادِ الدولَةِ الواحِدَةِ، لأَنَّ أصْلَ النظامِ الاجْتِماعِيِّ كما يُقالُ: الوِحْدَةُ فِي الشعُورِ والعَقِيدَةِ، وهُوَ السبَبُ الرئِيسُ فِي فَرْضِ القَوانِينِ والسياساتِ والقُيودِ المُتَعَلِّقَةِ بالهِجْراتِ، وهَذا يَدُلُّكَ علَى حِكْمَةِ الإسلامِ فِي مؤاخاتِهِ بَينَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ؛ إذْ كانَ ذلكَ أساسًا للبِناءِ الاجْتِماعِي والرُّوحِيِّ والاقْتِصادِيِّ فِي الدولَةِ؛ وهُو ما لا وُجُودَ لَهُ فِي الأُمَمِ الأٌخْرَى؛ بَلْ ولا تَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلًا!.

والصوابُ علَى خِلافِ ما ذُكِرَ فِي المُوسُوعَةِ, وَهُوَ أنَّ هِجْرَةَ الجَماعاتِ البَشرِيَّةِ قَديمَةٌ قِدَمَ الإنْسانِ علَى سَطْحِ الأرْضِ، وإنْ كانَت تَزْدادُ وتَتَنَوَّعُ أسْبابُها بازْدِيادِ أَعْدادِ البَشَرِ واخِتِلافِ الأحْوالِ التِي يَمُرُّونَ بِها، وقَدْ قُدِّرَ عَدَدُ المُهاجِرِينَ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت