الصفحة 82 من 159

قَالَ: مَنْ عَلَّمَ أَبَا أَيُّوبَ (وأَبُو أَيوب: كُنْيَةُ الجَمَلِ) صَبْرَهُ عَلَى الأَثْقَالِ والأَعْمَالِ الثَّقِيلَةِ وَالمَشْيِ والتّعَبِ وَغِلْظَةِ الجَمَّالِ وَضَرْبِهِ؛ فَالثِّقْلُ (وَاحِدُ الأثْقالِ بالكَسْرِ كَحِمْلٍ وأَحْمالٍ) ؛ وَالكُلُّ عَلَى ظَهْرِهِ؛ وَمَرَارَةُ الجُوعِ والعَطَشُ فِي كَبِدِهِ؛ وَجُهْدُ التَّعَبِ والمشَقَّةِ مِلْئُ جَوارِحِهِ؛ وَلا يَعْدِلُ بِهِ ذلكَ عَنِ الصَّبْرِ!.

وَقِيلَ لآخَرَ: مَنْ عَلَّمَكَ حُسْنَ الإيثَارِ وَالسَّمَاحَةَ بالبَذْلِ؟.

قَالَ: مَنْ عَلَّمَ الدِّيكَ يُصَادِفُ الحَبَّةَ فِي الأَرْضِ وَهُوَ يَحْتاجُ إِلَيْهَا فَلاَ يَاكُلُهَا؛ بَلْ يَسْتَدْعِي الدّجَاجَ وَيَطْلُبُهُنَّ طَلَبًا حَثِيثًا؛ حَتَّى تَجِيءَ الوَاحِدَةُ مِنْهُنَّ فَتَلْقُطَهَا؛ وَهُوَ مَسْرورٌ بِذلكَ طَيِّبُ النَّفْسِ بِهِ؛ وَإذَا وُضِعَ لَهُ الحَبُّ الكَثِيرُ فَرَّقَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَإنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَجَاجٌ؛ لأَنَّ طَبْعَهُ قَدْ أَلِفَ البَذْلَ وَالجُودَ؛ فَهُوَ يَرَى مِنَ اللؤْمِ أَنْ يَسْتَبِدَّ وَحْدَهُ بِالطَّعَامِ!.

وقيلَ لآخَرَ: مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا التَّحَيُّلَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَوُجُوهِ تَحْصِيلِهِ؟.

قَالَ: مَنْ عَلَّمَ الثَّعْلَبَ تِلْكَ الحِيَلَ التِي يَعْجَزُ العُقَلاءُ عَنْ عِلْمِهَا وَعَمَلِهَا؛ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرُ!.

وحكَى آخَرُونَ أنّ صَيادًا مُجَرِّبًا شاهَدَ الحُبارَى (بِضَمّ الحاءِ؛ طائرٌ على شكل الإوَزّةِ طويل المِنقار) تُقاتِلُ الأفْعَى؛ ثُمّ تَنْهَزِمُ عَنْهُ إلَى نَبْتَةٍ تَأكُلُ مِنها؛ ثُمّ تَعُود لِقِتالِهِ؛ فَقَلَعها؛ فلمّا عادَتْ إلَى مَنْبَتِها ولَمْ تَجِدْها؛ دارتْ حولَ ذلكَ المكانِ ثمّ ماتَتْ، فَعَلِمَ أنّها تُعالِجُ بأكْلِها سُمَّ الثُّعْبانِ، قالُوا: والبقْلَةُ هِي: الجَرْجِيرُ البَرّيّ.

وحَكَوْأ أنّ رَجُلًا فِي القِسْطَنْطِينِيّةِ كانَ يُخْبِرُ الناسَ بالرّياحِ الشمالِيّةِ والجَنُوبِيّةِ قَبْلَ هُبُوبِها؛ فَيْحتاطُونَ لأجْلِ ذلكَ ويَنْتَفِعُونَ بإنْذارِهِ؛ فَأثْرَى (صارَ ثَرِيًّا) بِسَبِبِ ذلكَ!، وكانَ السرُّ فِيهِ قُنْفُذًا فِي دَارِهِ؛ ومَن طَبْعِ القُنْفُذِ أن يُحِسّ بالرياحِ قَبلَ الهُبوبِ فَيُغَيّرَ المَدْخَلَ إلَى جُحْرِهِِ!، فَتَعَلّمَ مِنْها ذلكَ.

قَالُوا: والغَرانِيقُ (من طُيورِ الماءِ) إذا باتَتْ علَى جَبَلٍ وضَعَت رُؤوسَها تَحْتَ أجْنِحَتِها؛ إلاّ القائِدَ فَإنّهُ يَنامُ مَكْشوفَ الرأسِ؛ فَيُسْرِعُ انْتِباهُهُ؛ فَإنْ أحْسَ بِخَطَرٍ صاحَ بِها فَطارَتْ، فانْتَفَعُوا مِنْ ذلكَ فِيما علَى القائدِ أنْ يَتّصِفَ بهِ مِنَ اليَقَظَةِ والحَذَرِ.

هذا بَعْضُ ما ذكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ وَغَيرُهُ عَن السابِقِينَ!، وهكذا يُقالُ فِي النحْلِ وصُنْعِهِ أقْراصَ الشمْعِ فِي هَنْدَسَةٍ تُحَيِّرُ الألبابَ!؛ وفِي العَناكِبِ واحْتِيالِها لِصَيْدِ الذبابِ حَتَّى كأَنَّها مِن خُبَراءِ المَعارِكِ وَالحُرُوب!؛ وفِي النَّمْلِ وادِّخارِهِ لِقُوتِهِ عَلى وَجْهٍ لا يَفْسُدُ مَعَهُ ما ادَّخَرَ؛ وكَأنَّهُ مُخْتَصُّ بِالتَّخْزِينِ وَبِصِناعَةِ المَوادِّ الحافِظَةِ للأطْعِمَة!، وإِنَّما نَبَّهَ القُرْآنُ بِذلكَ عَلى آياتِ اللهِ المَوجُودَةِ فِي أنَواعِ مَخْلُوقاتِهِ، وخُصَّ الحَيوانُ بالذكْرِ دُونَ الجَمادِ لأَجْلِ المُمَاثَلَةِ فِي الشعُورِ بالأشْياءِ والاهْتِداءِ إلَى كَثِيرٍ مِن المَصالِحِ؛ بِخِلافِ الجَماداتِ.

وإِنَّما أَوْدَعَ اللهَ تَعالَى حَسَنَ الأخْلاقِ وذَمِيمَها مُفَرَّقَةً فِي هذِهِ المَخْلُوقاتِ لأنَّ الإنْسانَ لا يَلْتَفِتُ إلَى أبْناءِ جِنْسِهِ فِي العَادَةِ التِفاتَهُ إلَي غَيْرِهِمْ، والعَقْلُ البَشَرِيُّ يَحْتاجُ إلَى تَعَدُّدِ المُنَبِّهاتِ وتَجُدُّدِ المُوقِظاتِ؛ فَإذا تَوَاتَرَتْ عَلَى صِفَةٍ واحِدَةٍ وهَيْئَةٍ واحِدَةٍ تَبَلَّدَ عِنْدَ أَوَّلِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْها، ولَيْسَ الأمْرُ كذلكَ مَعَ اخْتِلافِ الآياتِ وتَنَوُّعِها، وهذهِ هِيَ طَرِيقَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ أنْ يَذكُرَ مِن الآياتِ الكَونِيِّةِ مُخْتَلِفَ الأنْواعِ؛ ثُمَّ يَلْفِتَ نَطَرَ السامِعِ وفِكْرَهُ إلَيْها بِنَحْوِ قَولِهِ تَعالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت