وفِي خَبَرِ مُوسَى عَلَيهِ السلامُ مَعَ الخَضرِ رَحِمَهُ اللهُ الهِجْرَةُ فِي طَلَبِ العِلْم!.
وفِي خَبَرِ ذِي القَرْنَينِ الهِجْرَةُ لإقامَةِ الدينِ وَنَصْرَةِ المُسْتَضْعَفِينَ ودَفْعِ الفسادِ من الأرْضِ!.
بَلْ إنَّ الإسْلامِ - فَوقَ مُوافَقَتِهِ لِقانُونِ الحَياةِ فِي الهِجْرَةِ - قَدْ جَعَلَ الهِجْرَةَ فِي بَعْضِ المَواطِنِ مِن الفرائِضِ التِي تَوَّعَدَ المَرْءَ علَى تَرْكِها مَعَ قُدْرَتِهِ علَيْها!؛ حَتَّى عُدَّ ذلكَ من الظلْمِ للنَفْسِ؛ {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} ؛ لأنَّ ظُلْمَ النفْسِ يَؤولُ إلَى إلْحاقِ الضرَرِ بالإنْسانِ أوَّلًا ثُمَّ بالأُمَّةِ ثانِيًا؛ ومَتَى سَرَى ذلكَ فِي واحِدٍ سَرَتْ عَدْواهُ إلَى بَقِيَّةِ الأُمَّةِ فَتَسَلَّطَتْ عَلَيْها الأُمَمُ الأُخْرَى؛ فَأذْهَبَتْ مالَها مِن عَزَّةٍ وإنْسانِيَّةٍ وإباءٍ!، ولَيْسَ من شأنِ العُقَلاءِ فِعْلُ ذلكَ؛ ولا تَرْضَى بِهِ النفوسُ السلِيمَةُ ولا الشرائِعُ السماوِيَّةُ، ولِذا لَمْ يُقْبَلِ التَّعَذُّرُ بالاسْتِضْعافِ عَمَّا يَلْحَقُهُمْ مِن الإهانَةِ والعُدْوانِ عَلَى الكَرامَةِ إلاَّ أنْ يَكُونَ الاستِضْعافُ حَقِيقِيًّا لعَجْزٍ أوْ إكْراهٍ.
ومِن العَجَبِ - والشيءُ يُذْكَرُ بِمِثْلِهِ - أنْ يَذْكُرَ الباحِثُونَ فِي هِجْرَةِ الطيُورِ أنَّها مَعَ ضَعْفِها وانْتِفاءِ القُوَّةِ الخاصَّةِ عَنْها فَإنّ أَنواعًا كَثِيرَةً منها معَ ذلكَ تُهاجِرُ مسافاتٍ طَويلَةً تطيرُ خِلالَها ساعاتٍ بلْ أيامًا دُونَ تَوقُّفٍ!؛ كما يَصْنَعُ الشادِي الهازِجُ وهُو: طائرٌ أَبْيَضُ النحْرُ يَعِيشُ فِي أوروبا ويتكاثَرُ هُناك؛ ويقضي الشتاءَ فِي أفريقيا أو آسيا؛ ويقطعُ فِي سَفَرِهِ الشتَويِّ فِي السنِغالِ نَحْوَ (4000) أربعَةِ آلافِ كيلومترٍ، ويقطعُ الشادِي الأسودُ - وهو عصفورٌ يعيشُ فِي أمريكا الشمالِيّةِ وحجمهُ حجمُ العصفورِ الصغير المعروف - المسافَةَ نفْسها إلى مَشتاهُ فِي أمريكا الجنوبِيّةِ دونَ تَوقُّفٍ!.
فليتَعَلَّمِ الإنسانُ من هَذا أيْضًا تَركَ الاعْتِذارِ بالضّعْفِ عنْ تَركِ الهِجْرَةِ، لأنَّ الدافِعَ المُحَرِّكَ فِي الأصْلِ إنَّما هُو الإخْلاصُ وصِدْقُ العَزِيمَةِ وعُلُوُّ الهِمَّةِ فَإنَّها التِي تَصْنَعُ الحَياةَ وتَبْنِي الأُمَم؛ وقَدْ قالَ النّبِيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلم: لَوْ أَنّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانَا، فَنَبّهَ علَى حُسْنِ سَعْيِها فِي الحَياةِ مَعَ ما هِي علَيهِ من الضعْفِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ!، فأيْنُ هِيَ وأَينَ الإنْسانُ؟!.
فباللهِ عَلَيكَ؛ أَينَ عَلى وَجْهِ الأرْضِ اليومَ دِينٌ أوْ شِرْعَةٌ تَشْحَذُ العَزِيمَةَ؛ وتَشْمَخُ بالإرادَةِ؛ وتَحَثُّ علَى عَزائِمِ الأُمُورِ؛ وتَفْرِضُ علَى أهْلِها الهِجْرَةَ حَتَّى لا يَكُونُوا تَحْتَ سُلْطانِ عَدُوِّهِمْ؛ وتَجْعَلُ من الرِّضَى بِذلكَ؛ ومِن اعْتيادِ الهَوانِ وإلْفِ الذلَّةِ جَرِيمَةً يُعاقَبُ علَيْها المَرْءُ؛ كَدِينِ الإسْلامِ وشَرِيعَةِ الإسْلامِ؟!.
ثُمَّ لَما كانَ الإسْلامُ دِينًا يَجْمَعُ مَصالِحَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ذكَرَ للِهِجْرَةِ ثِمارًًا دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً:
مِنْها: وعْدُ المُهاجِرِ أنْ يَجْدَ فِي الأرْضِ {مُراغَمًا} : أماكِنَ كَثِيرَةً، {وسَعَةً} فِي الصَّدْرِ والعَيْشِ والراحَةِ والعِلْمِ، وجَعَلَ حُصُولَ الأَجْرِ بِمُجَرَّدِ الخُرُوجِ مَن بَيتِهِ مُهاجِرًا؛ فقال: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا} ؛ أي: سواءٌ وصلَ أمْ لَمْ يَصِلْ!، ثُمَّ أشارَ إلَى عَظِيمِ الأَجْرِ؛ فقال: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ علَى اللهِ} ؛ ولَمْ يَذْكُرْ للأجْرِ حَدًّا إشارَةً إلَى أَنَّهُ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ وَلِتَذْهَبَ النفْسُ فِي تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ!، البَقَرَةُ/ 100و الحج/58.