وتَأمَّلْ قَولَهُ فِي الآيَةِ: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} ؛ كَيفَ عَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ للتَّنْبِيهِ علَى صِفَةِ الطائرِ حالَ طَيرانِهِ خاصَّةً؛ ثُمَّ كَيفَ خَصَّ الجَناحَيْنِ بالذّكْرِ!؛ فَنَبَّهَ بِذلكَ عَلَى سِرِّ الطَيَرانِ؛ وهُو: اعْتِدالُ جِسْمِ الطائِرِ بَيْنَ جَناحَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ طُولًا وَوَزْنا وهَيئَةً وحَجْمًا؛ بِحَيثُ لَو وَقَعَ الخَلَلُ فِي اعْتِدالِ الجِسْمِ أو فِي تَساوِي طُولِ الجَناحَينِ وَوَزْنِهِما وقَعَ الاضطِرابُ والمَيلُ فِي الطَيَرانِ!، وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلَى أَنواعِ الطيورِ وكَثْرَتِها؛ والتِي تبْلُغُ الآنَ فِي الإحصاءاتِ العِلْمِيّةِ نَحْو (9300) نَوعٍ!؛ وفِيها الإشارَةُ إلَى تَفاوُتِ أحوالِها وسُرْعاتِها فِي الطيرانِ؛ بلْ لا يوجَدُ فِي المَخْلُوقاتِ ما هُو أسرَعُ من الطيورِ؛ إذ يزِيدُ سُرعَةُ بَعْضِها عن (160) كيلومترًا لكلِّ ساعَةِ!، وقَدْ نَقَلَ الشَّوْكانِيُّ المُتَوفَّى سَنَةَ (1250) للهِجْرَةِ هذهِ الفائِدَةَ حَولَ الأجْنِحَةِ عَن بَعْضِ مَن سَبَقَهُ مِن العُلَماء.
وفِي ذكْرِ الجَناحَينِ إلْهامٌ وتَنْبِيهٌ عَلَى صِفَةِ الأجْنِحَةِ؛ ونِسْبَةِ جَجْمِها وطُولِهِما إلَى حَجْمِ جِسمِ الطائِرِ وطُولِهِ، كَما نَبَّهَتْ عَلى ما لاحَظَهُ مُبْتَكِرُوا الطائِراتِ مِنْ أنَّ أجْنَحَةَ الطُّيُورِ مُحَدَّبَةٌ؛ حَيثُ يُحَافِظُ ذلكَ عَلى بَقاءِ ضَغْطِ الهَواءِ مُرْتَفِعًا عِنْدَ السطْحِ السُّفْلِي للجَناجِ؛ مُقارَنَةً بالضعْطِ عِنْدَ السطحِ العُلْويِّ؛ والذِي يَنْخَفِضُ عِندَ تَحَرُّكِ الطائِرَةِ وانْدِفاعِها فِي الهَواء، وهُو ما يَعْرَفُ فِي عِلْمِ الطَّيَرانِ باسمِ: قُوَّةِ الرَّفَع، وهُو الذي يُساعِدُ علَى اسْتِمرارِ تَحْلِيقِ الطائِرَةِ فِي الهَواءِ.
وقَولُهُ: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} ؛ الصافّاتُ: يُرَادُ بِهِ صَفُّهُنَّ أَجْنِحَتَهُنَّ فِي الَهواءِ حَينَ الطيَرَانِ، فَفِيهِ ما فِي الآيَةِ السابِقَةِ؛ كَما أنَّ فِيهِ التَنْبِيهَ علَى اجْتِماعِهِنّ حالَ الطَيرانِ؛ وما فِي ذلكَ مِن الأسرارِ العِلْمِيّةِ؛ ومِنها المَجازاتُ أوِ المساراتُ (وهِي الطرُقُ الجَوِيَّةُ التِي تَسْلكُها الطيورُ حالَ طَيَرانِها) .
ومَعْنَى هَذا: أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ سَبَقَ المُحاوَلاتِ المُبَكِّرَةَ للطّيَرانِ؛ - التِي كانَتْ فِي أواخِرِ القَرْنِ الثامنِ عَشَرَ المِيلادِيِّ؛ باستخْدامِ (البالوناتِ) الهَوائِيَّةِ؛ كَما سَبَقَ الأَخَوَيْنِ الأمْرِيكِيَّيْنِ (أُورفِيل) وَ (وِيلتَرْ رايتْ) ؛ الذينِ تَمكَّنا مِن تَطْيِيرِ أوَّلِ طائِرَةٍ فِي التارِيخِ فِي (17/ 12/ 1903) ؛ قُرْبَ بَلْدَةِ (كِيتِي هُوك) ؛ فِي وِلايَةِ (كارُولِينا) الشمالِيَّةِ الأمْرِيكِيَّةِ - أَقُولُ: قَدْ سَبَقَ القُرْآنُ هَذه المُحاوَلاتِ بِثَلاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِن الزَّمانِ؛ فَكَشَفَ عَن سِرِّهِ المُكْنُونِ؛ ونَبَّهَ عَلَى السنَّةِ الكَوْنِيَّةِ فِيه!، معَ أنَّ الإنسانَ كانَ يَشدُّهُ دائمًا اقْتِدارُ الطيورِ علَى الطيران.
نَعَمْ؛ وقَدْ ألْهَمَ القُرْآنُ الكَرِيمُ طائِفَةً من عُلَماءِ المُسلمِينَ - كما سَبقَتِ الإشارَةُ إلَيهِ -؛ فَنَبَّهُوا عَلَيهِ، وَكانَ الواجِبُ أنْ تُسْتَثْمَرَ هَذِهِ التَّنْبِيهاتُ والإشارَاتُ لِتُصْبِحَ سَبْقًا فِي الاخْتِراعِ والعَمَلِ؛ لَوْلا عِلَلٌ وعَوَائِقُ أَصابَتِ الأُمَّةَ يَطُولُ الآنَ شَرْحُها.
وشَأنُ القُرْآنِ فِي هذَا:
كَشَأنِهِ مَعَ كَثِيرٍ مِن الحَقائِقِ العِلْمِيَّةِ والسُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ التِي ذَكَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ مِنَ العُلَماءِ أنَّ القُرْآنَ نَبَّهَ عَلَيها! ...
وَمِنْها: عَلَى سَبِيلِ المِثالِ لا الحَصْرِ - مَع قَطْعِ النظَرِ عَن صِحَّةِ الاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِبَعْضِ الآياتِ أَو خَطأهِ:
الإحْياءُ؛ وازْدِواجِيَّةُ المادَّةِ؛ والجاذِبِيَّةُ؛ والذَّبْذباتُ الصَّوتِيَّةُ؛ والذّرّةُ؛ وطَبَقاتُ الأرْض؛ وعُبُورُ الفَضاء؛ والرؤيَةُ عَن بُعْدٍ؛ والكِيمْياءُ؛ والتّسجِيلُ الكَهْرَطِيسِيُّ ...