الصفحة 79 من 159

هيوم/ت:1776)، وَكَما دَعَتْ إلَى ذلكَ (العَقْلانِيَّةُ الحَضارَيَّةُ!) التِي ظَهَرَتْ فِي القَرْنِ الثامِن عَشر؛ والتِي أَلْغَتِ العَقِيدَةَ وعَوَّلَت عَلى العَقْلِ وحَدَهُ فِي تَفْسِيرِ الخَلْقِ والقَدَرِ!، وكَانَ مِن أَبْرَزِ دُعاتِها (تُوماس) و (فُولِتير) .

وزُعَماءُ هَذهِ المَدْرَسَةِ قَدِ اعْتمدُوا المَنهَجَ العلْميَّ؛ وشَدَّدُوا علَى عُمْقِ التجْرِبَةِ وَدِقَّةِ المُلاحَظَةِ؛ وتَناوَلُوا بِمَنْهَجِهم هَذا عُلُوما وفُنونًا كَثِيرَةً؛ كالتشْرِيحِ؛ والفَلَكِ؛ والكيمياءِ؛ والرياضِياتِ؛ والفِيزياء، ثُمَّ تَناوَلُوا بِهِ طَبِيعَةَ الإنْسانِ؛ والتَرْبِيَةَ؛ والقانُونَ؛ والفَلْسَفَةَ؛ والسياسَةَ؛ وغَيْرَها، ومَعَ ذلكَ لَم يَهْتَدُوا إلَى كَثِيرٍ من الحَقائقِ سَبِيلًا.

ولَكَ أنْ تَعْجَبَ ما شِئْتَ كُلما سَمِعْتَ بَينَ حِينٍ وآخَرَ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يُؤَيِّدُ حَقِيقَةً من الحَقائِقِ التِي كَشَفَ عَنْها العِلْمُ الحَدِيثُ؛ وقَدْ سَبَقَ العِلْمَ إلَيْها بِأرْبَعَةَ عَشرَ قَرْنًا مِن الزمانِ!؛ ثُمَّ تَرَى الناسَ مَعَ ذلكَ لا يَهْتَدُونَ بِهِ فِي تَفْسِيرِ كَثِيرٍ مِن المَظاهِرِ التِي تَسْتَعْصِي عَلى العَقْلِ البَشَرِي؛ وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: وَعلَى (العَقْلانِيَّةِ الحضارِيَّةِ) أَيضًا!، وإذا كانَ ذلكَ عَجَبًا من الأُمَمِ الكافِرَةِ بالتَنْزِيلِ!؛ فَأعْجَبُ مِنْهُ مَنْ يَزْعُمُ الإيمانَ بِهِ ثُمّ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ!!؛ لأنَّهُ أُشْرِبَ حُبَّ التقْلِيدِ لِتْلكَ الأُمَمِ؛ حَتَى جَرَى ذلكَ مِنْهُ فِي العُروقِ مَجْرَى الدّمِ مِنْها؛ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ خالَطَ العْظامَ وَاللحْمَ والعَصَبَ!.

أََسْرارُ الأُمَم:

لكِنَّ الاسْتِضاءَةَ بِهُدَى الوَحْيَيْنِ يُوَفِّرُ عَلَى المَرْءِ كَثِيرًا من الجُهْدِ والتَّعَبِ، ويَفْتَحُ للمَرْءِ آفاقًا مِن الفَهْمِ لا تَزَالُ مُغْلَقَةً بِدُونِهِ، وهَذا الذِي يَنْبَغِي أنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ الباحِثُونَ من المُسْلِمينَ فِي شَتَّى فُرُوعِ العِلْمِ والمَعْرَفَةِ؛ وأنْ يَعْقِدُوا النِّيَّةَ عَلَى اسْتِحضارِهِ فِي أَعْمالِهم؛ وهُوَ السِّرُ الذِي يُدْرِكُونَ بِهِ مَن سَبَقَهُمْ ولا يَلْحَقُهُم بِهِ من بَعْدَهَم.

تَدَبَّرْ فِي قَوْلِ اللهِِ تَعالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} .

تَجْدِ الأيَةَ لَمْ تَدَعْ خَلْقًا مِن الأَحْياءِ فِي البَرِّ والبَحْرِ وفِي جَوِّ السماءِ إِلاَّ وتَنَاوَلَتْهُ؛ مُشَيرَةً إلَى أَنَّها أُمَمٌ كأُمَمِ البَشَرِ؛ لا فِي التَّكْلِيفِ؛ بَلْ فِي اخْتِصاصِ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْها بِخَصائِصَ جَامِعَةٍ لأَفْرادِ كُلٍّ نَوْعٍ مِنْها؛ وَبِنِظامٍ أَلْهَمَها اللهُ إِيَّاهُ؛ وفِي اتِّباعِهَا لَهُ قِوامُ حَياتِها؛ وجَوْهَرُ بَقائِها.

وَسَواءٌ كَانَ اللفْظُ: {أُمَمٌ} ؛ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا؛ فَإنَّ فِي التَعْبِيرِ بهِ تنْبيهًا عَلَى القَانُونِ الذِي يَجْتَمِعُ أَفْرادُ كُلٍّ مِنْها عَلَيهِ؛ كَما قالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسلامُ: لَوْلا أَنَّ الكلاَبَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، وكَما فِي حَدِيثِ النّبِيِّ الذِي قَرَصْتْهُ نَمْلَةٌ؛ فَأمَرَ بِقَرْيَةِ النّمْلِ فَأحْرِقَتْ؛ فَأوْحَى اللهُ إلَيهِ: أنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ واحِدَةٌ؛ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِن الأُمَمِ تُسَبِّحُ الله؟!.

وقَولُهُ: {أَمْثالُكُمْ} ؛ أَيْ فِي النُّظُمِ الفِطْرِيَّةِ التِي فَطَرَ اللهُ عَلَيها أَنْواعَ المَخْلُوقاتِ؛ جَعَلَ اللهُ لِكُلٍّ مِنْها نُظُمًا وسُنَنًا لا تَسْتَطِيعُ تَبْدِيلَها ولا التَّحَوُّلَ عَنْها!، كَما قَدَّرَ حَياتَها وأَرْزاقَها؛ وشَبابَها وهَرَمَها!، وعِنْدَ البَغَوِيِّ عَن عَطاء: أُمَمٌ أمْثالُكُم في التوْحيدِ والمَعْرِفَة، ويُرْوى نَحُوهُ غن ابن عباس رَضي الله عنه.

وهِيَ لا تُماثِلُ الإنْسانَ فِي التَفْكِيرِ والحَضارَةِ الذَيْنَ اخْتَصَّ بِهِما؛ لكِنَّ اللهَ تَعالَى أَوْدَعَ فِي خَلْقِها حِكَمًا؛ فَفِي الإشارَةِ إلَيْها هُنا إرْشادٌ إلَى البَحْثِ فِي طَبائِعِ الأَحْياءِ؛ لِيَزْدادَ المَرْءُ عِلْمًا بِسُنَنِ اللهِ فِي الكَوْنِ وأَسْرارِهِ فِي مَخْلُوقاتِهِ!، خاصَّةً وأنَّ كَثِيرًا من الباحِثِينَ اليومَ يَنْزِعُونَ إلَى أَنَّ الحَيواناتِ تَمْتَلِكُ شَيْئًا من الثّقافَةِ الخاصَّةِ؛ بَعْدَ أنْ كانُوا يَظُنُّونَ فِيما مَضَى أنَّ الثقافَةَ يَنْفَرِدُ بِها الإنْسانُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت