الصفحة 61 من 159

يُعْجِبُنِي ما نَقلَه (الأستاذُ أحمدُ ديدات) رحمهُ الله عن بعضِ المُؤَرِّخينَ من أنَّ مِقياسَ العَظَمَةِ في الرجالِ يَرجِعُ إلى اختِباراتٍ ثلاث: 1 - هل كانَ عِندَ مُعاصِريهِ صادقَ العزمِ عاليَ الهِمَّةِ؟. 2 - وهل كانَ لهُ من الديانَةِ والخُلُقِ والعِلمِ ما يَفُوقَ بهِ أترابَهُ ومُعاصِريه؟. 3 - ووَراءَ هذا! هلْ تَركَ (تُراثًا) دائمًا يَنْتَفِعُ به العالَمُ كافَّة؟.َ

لقدْ ألّف عالمُ الفلكِ والرياضياتِ المُؤَرِّخُ (مايكل هارت) كتابَهُ المُسَمى (أعْظمُ مائةٍ في التاريخ) !؛ وقد رأيتُ الكتابَ المذكورَ مُتَرْجَمًا قبلَ نحو عَشْرِ سنين؛ ووضعَ على رأسِ القائمَةِ نَبِيّ الإسلامِ مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم!؛ ووضعَ عيسى عليه السلامُ في المرتَبَةِ الثالثةِ!؛ وموسى عليه السلامُ في المَرْتَبَةِ الأربَعين!!، وأجابَ على من اعتَرَضَ على تقديمِهِ مُحمدًا عليه الصلاةُ والسلامُ بقوله: إنه الرجلُ الوحيدُ في التاريخِ الذي حَققَ نَجاحًا بارزًا على المُستوى الدينِيِّ والدُّنْيَوي!!.

أما وصفُ (رجالِ الدهرِ) بحُرُوفِهِ - فَضْلًا عن مَعْناهُ - فكلُُُُُُّ من رَأيْناهُ قد وُصِفَ به في تارِيخِنا فَهُوَ واحِدٌ مِنْ صِنْفَينِ: منَ العُلَماءِ العَامِلين؛ أوالأُمراءِ الصالِحين، أوْ رَجُلًا تَشَبّهَ بِهم وقد جاوزَ الاخْتِبارتِ الثلاثِ ولا بُدّ!.

و (البَيْتُ) الذي عَوَّلْتُ في هذه المُسامَرَةِ عليه يُوقِفُكَ على الوَصْفِ الجامِعِ لأولئكَ الرجال؛ في الوقْتِ الذي يَصِلُ ما انْفَصَمَ في كثيرٍ من المواطن!.

فالشطرُ الأوّلُ من البَيْتِ وهوَ شَطْرُ (الحُلَلِ) جَمْعُ حُلَّةِ؛ وهيَ: الثوبُ من إِزارٍ ورِدَاءٍ يَصْلُحُ مِثالًا لكلِّ نافِعٍ من الدنيا مما أودَعَهُ الله فيها مِن خَزائنِ الحكمِ وكنوزِ المَعارف وأسرارِ العُلُومِ ومُخَبَّآتِ المَنافِع؛ فهي كتابُ الله المَنْشُورُ كما أن القرآنَ الكريمَ كِتابُهُ المَسْطُور!.

والذي نَبَّهَ على هذا الإتْيانُ بِلفْظِ (الحُلَّة) ؛ وإنما سُمَِيَتْ بذلكَ لأنها يُتَحَلَّى ويُتَجَمَّلُ بِها؛ ولا يُرِيدُ بالثيابِ المضاعَفَةِ النسجِ أنها ثيابُ الحربِ والقتال؛ لأن الحُلّةَ ليستْ مِن ثِيابِ المُقاتِلَةِ في العادَةِ!.

وأما الشطْرُ الثاني فَفِيهِ تَشبيهُ الرجالِ بالجِمالِ (البزَّل) ؛ جَمْعُ بازلٍ؛ وهو: المُسِنُّ من الإبل؛ والمُرادُ أنّهم قد اجْتَمَعَتْ لهمْ أَنَفَةُ النفْسِ والصبرُ والتحَمُّلُ مَعَ سلاسَةِ القياد؛ قد حَنَّكَتْهمُ التجاربُ ووعَظتْهمُ الأيام؛ ومِنْ دُونِ ذلكَ تَقوى الله تعالى وقلْبٌ سليم.

فالعَجَبُ مِنَ البيتِ كيفَ جاءَ بِوَصْفٍ جَمَعَ بينَ مَصالحِ الدُنيا والآخرة!!؛ فإن بِناءَ الأمةِ لن يكونَ إلا بِهذينِ (ما دَلَّ عليهِ شطْرا البيت) !.

والخُلاصَةُ المُنْجِيَةُ في الجَمْعِ بينَ الدينِ والعِلم!؛ خاصةً وقدْ ثبَتَ أنّ دَعْوى الصراع بَينَهما كَذِبٌ مَحْض وإفْكٌ مُفْترىً؛ حَتى قالَ الدكتور الفَرَنْسِيُّ (مُوريس بُوكاي) : لمْ أجِد التوافُقَ بين الدينِ والعِلمِ إلا يَومَ شَرَعْتُ في دِراسَةِ القرآنِ الكريم!.انتهى.

والجَمْعُ بَينَهما؛ وكيفَ نضطلِعُ بِمُهِمَّةِ القيامِ به؛ وكيفَ نَسُوسُ الأُمَّةَ على وَفْقِهِ - وإن جَهِلَهُ أُمَمٌ مِن قومِنا - هو الذي يُعينُ مكانَتنا في قافِلةِ الحياة!.

مُهمَّةٌ لا بُدَّ مِنها:

والفصامُ بينَ هذينِ الشطرينِ مِنْ أخطَرِ أنواعِ الفصامِ الذي ابْتُلينا به؛ (عِلْمُ الدنيا؛ وعِلْمُ الآخرة) !!، فإنه الداءُ العُضالُ؛ (وشرُّ الداءِ ما بَطَنَ العِظاما) !.

-فكثيرٌ من القَصصِ الذي نَقرَأهُ في تُراثنا سابِقِهِ ولاحِقِهِ ممّا فيه الدعْوَةُ إلى تَعْطيلِ الأسْباب؛ وبقاءِ الإنسانِ مُهْمَلًا في الحياةِ بلا هَدفٍ؛ مُعَطِّلًا لِما أَوّدَعَ الله فيها مِن المَنافِعِ تحتَ شِعاراتِ الزهدِ؛ وأن الدنيا والآخِرَةَ ضُرّتانَ لا تَجْتَمِعان!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت