يَمْشُونَ في الحُلَلِ المضاعَفِ نَسْجُها ... مَشيَ الجِمالِ إلى الجِمالِ البُزَّلِ
فقرأتهُ ثانيةً؛ وثالثةً؛ و .... ؛ ... فراقَ لي مَظْهَرُهُ ومَبْناهُ؛ وصفا بعدَ التأَمُّلِ مَخْبَرُهُ ومَعْناه!؛ وقلتُ: أجل؛ إن من الشعْرِ لَحِكْمَةً!؛ وحُقَّ للشعرِ أن يَكَونَ عُنوانَ الفضْلِ كما قالَ ابْنُ الوَردِيِّ (المتوفى: 749) رحمه الله؛ ورُبُّ كَلِمَةٍ أوْرَثَتْ صاحِبَها عِزَّ الأبَد!.
وأما الشأنُ في هذا البَيْتِ؛ فهوُ أَننا كما رأيْتُهُ في زَمانِنا وأبْناء زَماننا نَعِيشُ عَصْرَ الفِصامِ بينَ كلَّ ما مِنْ شانِهِ الاعْتِصام!؛ وإن شئتَ قلتَ عَصْرَ الفصلِ بينَ كلِّ ما مِن حَقِّهِ الوصل!؛ دَعْ عنكَ الفصامَ بينَ السلطانِ والقُرْآن؛ وبينَ العِبادَةِ والحياةِ؛ وبينَ العلمِ والعَمَل؛ وبَينَ الأَقوالِ والأعمال؛ وَبَينَ الأخْلاقِ والخلائق؛ وبَينَ الدنيا والآخرةَ؛ ... فكلُّ ذلك وغيرُهُ مما تَطولُ حِكايَتُهُ؛ ويأخذُ بِنَواصيِ الأيامِ شَرْحُهُ!؛ بل عَدتْ جنايَةُ الفصامِ هذه على جَميعِ قِيَمِنا وثَوَابِتِنا!؛ وعلى مُقَوِّماتِ وُجُودِنا وحَضارَتِنا!؛ لأنهم يُريدُونَنا أمةً بِلا تاريخٍ ولا ماضٍ!؛ ومِنْ ثَمةَ بلا حاضرٍ ولا مُسْتَقْبَل!!؛ والتاريخُ كما يقولُ العقادُ الأديبُ: عِرْضُ الأمَّةِ!؛ وزِدْتُ عليه: وَوِعَاءُ حَضارَتِها والنهرُ المادُّ لِوُجُودِها!؛ وما بَقاءُ أمةٍ بلا عِرضٍ؛ وقدْ حُرِمَتْ ماءَ الحياة؟!.
والذي نَقطَعُ به؛ ويَقْطعُ به كلُّ مُنْصفٍ أن أُمَّتَنا لمْ تكنْ كذلك البَتّةَ؛ بل كلُّ هذا دَخيلٌ مُحْدثٌ لم يَكنْ له وَجُودٌ يَوْمَ أنْ كانتْ حَواضِرُ الإسلامِ مَنْبَعَ العَدْلِ والعِلمِ والمَعْرِفَةِ؛ وتَطبيقًا عَمليًا لما جاءَ به الوحيانِ الشريفان.
أما كيفَ وقعَ هذا؟؛ ومتى كانَ وقُوعُهُ؟؛ وما هي أسبابُهُ؟؛ وكيفَ تَمَكَّنَ في أحشاءِ الأمةِ تَمَكُّنَ الداءِ من جَسَدِ المريضِ؟؛ وكيفَ سبيلُ الخلاصِ مِنهُ؟؛ فعلى أَهَمِّيَّتِهِ لا يَتّسعُ الحديثُ الآنَ عنه.
وإذا ضَرَبْنا للمُجْتَمَعِ الإنسانِيِّ مِثالًا بِالجَسدِ الواحِدِ؛ كانتْ مَنْزِلَةُ أمة الإسلامِ مِنْهُ مَنْزِلةَ القَلْبِ من سائرِ الأعْضاءِ!؛ فَمتى صَلَحَ صَلَحَ سائِرُ الجسدِ؛ ومَتى تَطَرَّق إليه الخللُ والفسادُ فَسدَ مِن الأعْضاءِ بِحَسبِ ذلك.
وإنما ذكرْتُ هذه الجُمْلَةَ هنا لأُنَبّهَ على أنّ الفِصامَ الدخيلَ سَرى إلينا مِنْ غَيرِنا مِن الأمم؛ في مُدَّةٍ ضَعُفَ فيها القلبُ؛ وأَصْبحَ مَحلاًّ قابِلًا لكَثِيرٍ مِمّا يَردُ عليهِ مِنَ الخواطِرِ والأوهام!؛ ونحنُ نَقطَعُ بأنّ صلاحَ القلبِ صلاحٌ للبَشَريَّةِ كُلِّها؛ وأنّ مادَّةَ الحياةِ تَخرجُ من القلبِ وإليه تَعُودُ!؛ غيرَ أنّ علينا أنْ نَعْمَلَ على تنْشيطِها وزِيادَةِ تدَفُّقِها لِيَضْطَلعَ القلبُ بالدّوْرِ المَطْلُوب.
وشهدَ شاهدٌ من أهلِها:
وقد شاهدْتُ مُنْذُ مُدةٍ يَسيرةٍ في إحدى القَنَواتِ الفضائِيَّةِ بَعْضَ كبارِ الهنادِكَةِ في الهِنْدِ يَصرّحُ في جَمْعِ كبيرٍ منَ الناسِ وعلى رؤوسِ الملأِ مِنهم بأنّ نُهوضَ القارةِ الهِنْديَّةِ بأسرها يَكْمُنُ في نُهوضِ المسلمينَ فيها؛ وأن رُكودَهم يعني رُكُودَها؛ وأن العالَمَ بأسْرِهِ إذا أرادَ السعادَةَ الحقَّةَ فعَلَيهِ أن يَعْمَلَ والمُسلونَ بما جاءَ في القرْآنِ الكريم!!.
وليسَ هذا بِحَمدِ الله بِدْعًا مِنَ القولِ؛ ولا هُوَ أولَ مَنْ قالَ ذلك؛ بل لا زالَ المُنْصِفُونَ يقولُونَهُ ويُرَدِّدُونَه؛ على كَثْرَةِ المُنْكِرِينَ له؛ والإنْصافُ عَزيز!.
بَيْتُ القصيد:
ومَن سَرّهُ أن يَنظرَ إلى وصْفِ (رِجال الدهر) حَيّا يَمشي على الأرضِ فليُطالِعْ تاريخَنا وما حواهُ مِن الكُنُوز في مُدَّةٍ تزيدُ على أرْبَعَةَ عَشرَ قرنًا من الزمان؛ فإن كانَ في شَكٍّ من ذلك فلا عَلَيهِ أن يُطَالِعَهُ مُطَالَعَةَ باحثٍ وناقِدٍ شَريطَةَ الإنصافِ؛ وسيَجدُ في تُراثِنا - والذي يَحْوي أكثَرَ مِنْ خَمْسمائَةِ ألفِ تَرْجَمَةٍ لأَعْلامِ الأمةِ ورِجَالِها - نَماذِجَ لو كانَ عَشْرُ مِعْشارِها لِغَيرِنا منَ الأُمَمِ لَحُقَّ لها أنْ تَفْتَخِرَ بها!؛ فكَيفَ إذا اجْتَمَعَتْ اجتِمَاعَها لأُمّتِنا؟!.