ثُمَّ حَمَلَ لَواءِ هذه الفاقِرَةِ مُصطَفَى كَمال (أتاتُورك) المُتَوفَّى سَنَةَ (1938) حَيثُ كانَ أولَ مَن أَلْغَى تَعَدُّدَ الزوجاتِ بِحُكْمِ القانُون، وكَذلكَ أَلْغَى القانُونُ الوَضْعِيُّ التونُسِيُّ التعدُّدَ؛ ونَصَّتْ المادَّةُ العاشِرَةُ مِن مَجَلَّةِ الأَحْوالِ الشخْصِيَّةِ التونُسِيَّةِ عَلى أنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ مَمْنُوعٌ!؛ وإنْ تَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن واحِدَةٍ يَسْتَوجِبُ عِقابًا بالحَبْسِ!!.
وقَرِيبٌ مِن هذا القانُونُ الليبِيُّ فِى المَادَّةِ الأُولَى مِنَ القَانُونِ رَقَمِ (9) لِسَنَةِ (1994) حَيْثُ مَنعَ التعدُّدَ إلا بِشَرْطَينِ ما أَنْزَلَ اللهُ بِهِما مِن سُلْطان؛ مُوافَقَةِ الزوجَةِ الأولَى؛ وصُدُورِ حُكْمٍ مِن المَحْكَمَةِ المُخْتَصَّةِ بالمُوافَقَةِ، فإنْ لَمْ يَتِمَّ ذلكَ كانَ الزواجُ باطِلًا!!، وللزوجَةِ رَفْعُ دَعْوى تَطالِبُ بِها المَحْكَمَةَ بِتَطْلِيقِ الزوجَةِ الثانِيةِ.
ولأَنَّ القانُونَ الوَضْعِيَّ مِن عِنْدِ غَيرِ اللهِ؛ وإنما قامَ عَلَى شَفا جُرُفٍ هارٍ؛ انْتَقَدَهُ خُبرَاءُ القانُونِ أَنْفُسُهُم؛ ورَأَوْا أَنَّ التفَلُّتَ مِن هذهِ القوانِينِ سهلٌ يَسيرِ، وباسْتِنادٍ إلَى القانُونِ نَفْسِه!؛ حَيْثُ أنَّ المادَّةَ (ف2 / م 13 مِنَ القُانُونِ رَقِمِ: 10/ 1984) تَجِيزُ للرَّجُلِ الزواجَ بَعْدَ إثباتِ طلاقِهِ مِن زَوْجَتِهِ الأولى؛ فَيُمْكِنُهُ إثباتُ واقِعَةِ الطلاقِ أمامَ المَحْكَمَةِ؛ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ الثانِيَةَ؛ وبَعْدَ ذلكَ يُراجِعُ الأولَى مادامَ طلاقُها في الأَصْلِ رَجْعِيًّا؛ وهُو لا يَحْتاجُ في مُراجَعَتِها إلى إِذنِها أو إلى أيِّ إجْراءٍ آخر!.
لَقَدْ كَتَبَ الكاتِبُ المَعْرُوفُ (بِِرْنارْدُ شُو) يَقول: (إنَّ أوروبا سَتَضْطَرُّ إلى الرجُوعِ إلَى الإسلامِ قَبلَ نِهايَةِ القَرْنِ العِشرينَ شاءَتْ أمْ أَبَتْ) !!، فَهَلاَّ أفاقَ مِن سَكْرَتِهِمْ أبْناءُ جِلْدَتِنا الذينَ لا يَزَالُونَ يَنادُونَ بالرُّجُوعِ والإعْراضِ عَنِ الإسلامِ حتَّى بَعْدِ نِهايَةِ القَرْنِ العِشْرينَ!.
فاللهُمّ احْفَظْ عَلَينا دِينَنَا وعُقُولَنا؛ وحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيل.
وقدْ كانَ كلامِي بِحَمْدِ اللهِ تعالَى يَنْزِلُ عَلى قُلُوبِ السامِعِينَ بَرْدًا وسلامًا؛ خاصَّةً من الشبابِ الذي ابْتُلِيَ بالحياةِ في الغَرْبِ ولا تَزالُ شُبُهاتُ الغَرْبِيينَ تَقْرَعُ سَمْعَهُ مَرَّةً تِلْوَ أُخْرَى!، فَكانَ مِمَّا قالَهُ لِي بَعْضُهُمْ ناقِلًا عَنْهُمْ: فإذا كانَ الإسْلامُ يُبِيحُ للرجُلِ ذلكَ؛ وأنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ دِينُ العَدْلِ؛ فَلِمَ لا تَعْطَى المَرْأَةُ الحَقَّ فِي تَعَدُّدِ الأزْواجِ أيضًا؟!.
ثُمَّ لَقِيتُ بَعْدَ سَنَواتٍ عِدَّةٍ رُجُلًا كانَ نَصْرانِيًّا وهداهُ اللهُ إلى الإسلامِ وأصْبَحَ مِن دُعاتِهِ يُحاوِرُ النصارَى ويَدُعُوهُمْ إلى الدينِ الحَقِّ؛ فَسألَنِي عن هذا نَفْسِهِ وحَدَّثَنِي أنَّهُمْ يُثُيرُونَ ذلكَ في حدِيثِهِمْ مَعَه، فكانَ جَوابِي لَهُما أنْ قُلْتُ:
في اللغةِ الإنْجليزِيَّةِ كَلِمَةُ ( Polyandry) وتَعْنِي: تعدد الأزواج!، وهَذَا لهُ وُجُودٌ فِي أَقْوَامِ (النَّيرِ) مِنَ الْهُنُودِ عَلَى ساَحِلِ بِلادِ (الْمَلِيبَار) !؛ وَيُمارِسُهُ بَعْضُ أَقْوَامٍ فِي مَناطِقِ (التَّبْتِ) ، وهذا مِن أغْرَبِ ما أَنْتَ سامِعٌ مِن عَجائِبِ الهَمَجِ مِن البَشَر، ومَعَ هذا فأنا أَسْألُكَ: أَتَشْعُرُ بالفَرْقِ فِي هَيْئَةِ الخِلْقَةِ والتَكْوِينِ بَيْنَكَ وبَيْنَ المَرْأَةِ أمْ لا؟.
فإنْ قُلْتَ: لا!!؛ والفَرْقُ يُدْرِكُهُ الأَعْمى حَقِيقَةً لا مَجازًا؛ انْقَطَعَ حَبْلُ الكَلامِ مَعَكَ؛ وكُنْتَ أَهْلًا لإلْحاقِكَ بِهِنَّ أو بالمَجانِينِ، فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما شِئْتَ!.
وإنْ قُلْتَ؛ نَعَمْ؛ وهُو الذي لا تَسْتَطِيعُ سِواهُ؛ قِيلَ لكَ: فَهَذا الفَرْقُ فِي الخِلْقَةِ أوجَبَ فَرْقًا في الوَظائِفِ المُناطَةِ بِكُلٍّ مِنَ الرجُلِ والمَرْأةِ، وقَدْ لاحظَ هَذا الفَرْقَ العالِمُ الأورُوبِيُّ (ثُوس) كَما نَقَلَتْ عَنْهُ بَعْضُ الصحفِ الإنجليزِيَّةِ أنهُ قال: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ حَالَ خِلْقَتِهَا تُنَادِي بِأّنَّ عَلَيْهَا مَا لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ؛ وَعَلَيْهِ مَا لَيْسَ عَلَيْهَا) !؛ انْتَهى، ومِن ذلكَ (الإنْجابُ) الذي هُوَ سَبَبُ بَقاءِ النوعِ الإنْسانِي؛ وإنما الرجلُ زارِعٌ والمَرْأةُ مَحَلُّ الزرْعِ، لا جَرَمَ قالَ تعالَى فَيهِنَّ (حَرْثٌ لَكُمْ) لِهَذا المَعْنَى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأَرْضَ لَوْ زُرِعَتْ بِبُذُورٍ مُخْتَلِفَةٍ في وَقْتٍ واحِدٍ أَضَرَّ ذلكَ بِها وبالزرْعِ فَإماَّ لا تَنْبِتُ وإما خَرَجَ ضَعِيفًا مُتَهالِكًا، وهكذا المرْأَةُ لا يَنْفَعُها ذلك، معَ ما فِيهِ مِنْ حَطِّ شَرَفِها وذهابِ كَرامَتِها!، وكيفَ تَصْنَعُ معَ شُرَكاءٍ مِنَ الأَزْواجِ