الصفحة 36 من 159

ولَمْ يَكُنْ هذا الذي ذكَرَ لي وحَدثَ في المَغْرِبِ عام (1999) غائبًًا عَنِّي وللهِ الحَمْدُ؛ بل قَد اتّصلَ بي قَبْلَها فِي زَحْمَةِ تِلكَ الأحداثِ رَفِيقٌ أَدِيبٌ جَليلٌ مِن العُلَماءِ المَغارِبَةِ وحَدَّثَنِي عَما يَجْرِي فِي بِلادِهِمْ؛ وعَنْ خُرُوجِ الملايينِ مِن أفرادِ الشعْبِ المَغْرِبِيِّ المُسْلِمِ مُتَظاهِرِينَ مُسْتَنْكِرينَ للأَعْرافِ الدخِيلَةِ عَلى دِينِهِمْ وأُمَّتِهِمْ حَتَّى رَدَّ اللهُ تعالَى دُعاةَ الفِتْنَةِ عَلى أعْقابِهِمٍ مذْؤُومِينَ مَدْحُورِين.

وطالَبَنِي الأنْدلُسِيُّ كما طالَبَنِي غَيرُهُ بالتعْلِيقِ عَلى هذه الحوادِثِ؛ فقلت:

إنَّ مِنْ أَعْظَمِ ما ابْتُليَتْ بِهِ أُمَّتُنا جَهْلَ أبْنائِها!؛ فاللهُمَّ نَشْكُوا إِلَيكَ حُصُولَ شَمْلِها فِي يَدِ الانْتِهاب!، ويا لَلْعَجَب!؛ كَيْفَ تَبْلَغُ الحالُ بِأُمَّةِ العِلْمِ أنْ تُوصَمَ بالجَهْلِ!!؛ ثُمَّ يَكُونُ جَهْلُها سَبَبَ شَقائِها وهِي تَحْمِلُ بَينَ يَدِيها العِلْمَ الذي هُوَ شِفاؤُها ودَواؤُها، ومِنْ ورَائِها تارِيخٌ يَمُدُّها بِنَبْضِ الحَياةِ، ثُمَّ هِي بَعْدَ ذلكَ تَمْضِي ولا تَلْتَفِتُ إلَى شَيءٍ مِنْه؛ وكأنَما خِيطَت العَينانِ وصَمَّتِ الأذُنان وشَلَّ اللسان!.

مِن الغَرِيبِ حَقًّا أنْ يُنادِيَ باحِثُونَ غَرْبِيونَ بالتعَدُّدِ الذي جَاءَ بِه ِالإسْلامُ حلاّ لكَثيرٍ من المشْكِلاتِ الاجْتِماعِيَّةِ التي يُواجِهُونَها فِي الوَقْتِ الذي يَزْعُمُ فِيه بَعْضُ المُحْسُوبِينَ على المُسْلِمينَ بأَنَّ تَعدَّدَ الزَّوْجَاتِ مِن سِمَاتِ (عَصْرِ الإقْطاعِ والدَّوْلَةِ الإقْطاعِيَّةِ) !؛ ومِنْ لازِمِ قَوْلِ هَذا القَائلِ الطعْنُ فِي حُكْمِ اللهِ تَعالَى بِمَشْرُوعِيَّةِ التعَدُّدِ؛ والطعْنُ في هَدْيِ النبِيِّ صلى اللهُ عَلَيهِ وسلمَ وهَدْي أكابِرِ أَصْحابِهِ رَضيَ اللهُ عَنْهُمْ؛ بلْ والطعْنُ فِي هَدْي مَنْ قَبْلَهُ مِن الأَنْبِياء؛ كَنَبِيِّ اللهِ سُليْمانَ عَليهِ السلامِ، والذي ثَبَتَ فِي صَحيحِ البُخارِيِّ أنهُ كانَ لَهُ مائِةُ امْرَأَةٍ!؛ فَهْلْ كانَ هَؤلاءِ مِن الإقْطاعِيِّينَ أَيْضًا؟!!. اللهُمَّ إنا نَبْرَأَ إلَيْكَ مِن الجُهَّالِ وما يَصْنَعُونَ.

ومِنَ العَجائِبِ - والعَجائِبُ جَمَّةٌ - أنْ يَحْمِلَ هذا الكاتِبُ وَأمْثالُهُ عَلَى تَعَدُّدِ الزْوجاتِ فِي الشرْعِ هذه الحَمْلَةَ النَكْراء! - وكَأَنَّهُمْ يَتَشَبَّهُونَ بِطائِفَةِ (الدُّرُوزِ) التِي لا تَبِيحُ تَعَدُّدَ الزوْجات - حَتَّى سَماهُ بَعْضُهُمْ (داءً عُضالًا!) ؛ و (حَيَوَانِيَّةً) !!؛ وهُوَ لَعَمْرُ اللهِ بِهذا الوَصْفِ أَحَقُّ؛ وذَلكَ نَعْتٌ بهِ ألْيَقُ وأَلْصَقُ؛ ودَعا الحُكُومَةَ إلَى مَنْعِهِ!!؛ كما نُشِرَ في صَحِيفَةِ اليَمامَةِ السعُودِيَّةِ في 18/ 3 / 1385هـ؛ فِي الوَقْتِ الذي يَعَدُّونَ فِيهِ اسْتِمْدادَ القانُونِ الوَضْعِيِّ (الذي هُوَ شِرْكٌ باللهِ فِي حُكْمُهِ) مِنَ القاوَانِينِ الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ كقانُونِ (حَمُورَابِي) وقانُونِ (مانِي) وقوانِينِ (أثِينا) والقانونِ (الكَنَسِيِّ الأورُوبِيِّ) والقوانِينِ (الرومانِيَّةِ) وقانُونِ (نابِلْيُونَ) تَقَدُّمًا فِي الفِكْرِ ومُواكَبَةً للمَدَنِيَّةِ وخَطْوَةً تُمْلِيها المُعاصَرَةُ!، ألا ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُون.

والقَوْمُ كَما نَقَلَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى صَبْري رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (مَوْقِفُ العَقْلِ والعِلْمِ مِنْ رَبِّ العَالَمِين) ؛ وهُوَ آخِرُ شُيُوخِ الإسلامِ في الدَّوْلَةِ العُثْمانِيةِ (وعَدَدَهُمْ 127 شَيْخًا) قَدْ قالَ قائِلُهُم: إِنَّا عَزَمْنَا عَلَى أَنْ نَاخُذَ كُلَّ مَا عِنْدَ الغَرْبِيِّينَ، حَتّى الالْتِهَابَاتِ التِي فِي رِئاَتِهِمْ!، والنَّجَاسَاتِ التَّي فِي أَمْعَائِهِمْ!!.

وقَدْ فَعَلُوا والله!!؛ ونادَى بَتَحْرِيمِ تَعَدُّدِ الزوجاتِ (مِيرْزَا عَلِيُّ مَحُمَّدُ) الْمُلَقَّبُ (بِالبَابِ) الشِّيعِيُّ الإنْجِلِيزِيُّ الصَّنِيعَةِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ؛ حَيْثُ أعْلَنَ تَحْريمَ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ سَنَةَ (1844) !.

وفِي الثلُثِ الأَخِيرِ مِن القَرْنِ التاسِعِ عَشرَ قامَ (يَعْقُوبُ صَنُّوع) العَرَبِيُّ اليَهُودِيُّ المِصْرِيُّ أَحَدُ رُوادِ المَسْرَحِ المِصْريِّ والصحافَةِ المِصْرِيَّةِ الساخِرَةِ - (توفِّيَ) في (1912) وكانَ يُقَدِّمُ مَسْرَحِياتِهِ أمامَ (باشَوَاتِ وباكَواتِ) البلاطِ الخِديوِيِّ - بِكِتابَةِ مَسْرَحِيَّةٍ ساخِرَةٍ عَنْ تَعَدُّدِ الزوْجاتِ!؛ عَنَّفَهُ بِسَبَبِها الخِديوِيُّ بَعْدَ أنْ كانَ مُعْجَبًا بِهِ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت