في مَحَلِّ الصدارَةِ بَينَ الأُمَمِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعَدّلُ الإنجابِ فيها أَكْثَرُ مِن غَيْرِها؛ ولذا قال عَلَيهِ الصلاةُ والسلامُ: انْكِحُوا الوَدُودَ الولودَ فإني مُكاثِرٌ بكمُ الأُمم، وقال ابنُ عَباسٍ رَضيَ اللهُ عنه: تَزَوَّجُوا فإنَّ خَيرَ هذهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً!.
فإذا كانَتْ الأُمَّةُ في سَبِيلِها إلى النُّهُوضِ كانَ ذلكَ كَماءِ الحَياةِ بالنسْبَةِ إلَيْها؛ وهَذه الجالِيَةُ اليَهُودِيَّةُ التي تَعِيشُ في بَريطانِيا تَرَى الأسْرَةَ الواحِدَةَ مِنْها؛ وفِيها مِن الأطفالِ السبْعَةُ والثمانِيَةُ وأكثَر!؛ شهِدْتُ هذا بِنَفْسِي كَما شَهِدَهُ غَيرِي، ولما كُنْتُ فِي (عاصِمَةِ إيرْلَنْدا) فِي بَعْضِ الأعْوامِ وَوُلِدَ لِي الوَلَدُ الخامِسُ هناك؛ وقَعَتْ لي قِصَّةٌ طَريفَة:
قالتْ لِيَ الطبِيبَةُ (بالإنجليزِية) وكُنْتُ مُرافِقَ أَهْلِي: أهذا وَلَدُكَ الأول؟.
فأجَبْتُها بِلِسانِها: لا؛ بلْ هُو الخامِس.
قالت: أو حَقا تَقُول؟!.
قلتُ: هَوَ كَذلك.
قالتْ: فَيكْفِي هذا إذنْ، فالعَدَدُ كَبير!.
قلتُ عَلى الفَور: ( this is the beginning) : هذه البداية!.
قالت: أوَ تَمْزحُ؟!.
قلتُ: بلْ ذلكَ مِن دِينِنا، ولا مَحَلَّ للمِزاحِ في هذا.
فكأنَّما أشْعَلْتُ فيها جَمْرَةً قَدْ خَبَتْ ....
فقالتْ: نَحْنُ (الإيرْلَنْدِيُّونَ) نُحِبُّ الأطفالَ وكَثْرَةَ الإنجابِ مِثْلَكُمْ؛ لأَنَّنا مَظُلُومُونَ كالفِلَسْطِينِيِّنَ!.
ثمَّ تابَعْتُ حَديثِي معَ جُلَسائِي قائلا:
فانْظُرُوا إلى هذه الأُمَمِ كَيْفَ وجَدَتْ في كَثْرَةِ الإنْجابِ والذي هُوَ فَرْعُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ حلاًّ لبُلُوغِ المَكانَةِ التي يَسْعَونَ إلَيها في الحَياة، وذلك سَبَبٌ مِن الأسبَابِ تَشْتَرِكُ جَمِيعُ الأمَمِ فيه؛ وهُوَ مِن الأسبابِ الكَونِيَّةِ القدَرِيَّةِ التي تَشتَرِكُ فيها الأُمَم؛ كما قالَ تعالَى عَن اليَهُود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ .. } ؛ وحَبْلُ اللهِ: هوَ القَدَرُ؛ وحَبْلُ الناس: هُو السبَب.
فَلِماذا إذا عادَ الأَمْرُ إلى المُسْلِمينَ تَبَدَّلَتِ الموازِينُ؛ بلْ لا مَوازِينَ أَصلًا؛ هَناكَ تُسلُّ سُيُوفُ الظلْمِ مِن أَغْمادِها؛ وتُفْتَحُ بِها طُرُقُ الأَهْواءِ لِخِدْمَةِ طُغاةِ الأرْضِ وعُتاةِ الدنيا، وهلْ (مُؤامَراتُ تَحْديدِ) النَّسْلِ والأمَّةُ في سَبِيلِ يَقَظَتِها إلا خُطَّةً تَرْمِي إلى بَقاءِ الأُمَّةِ طَرِيحَةَ عِلَلِها؛ وأَسِيَرَةَ لاوائِها؟!.
ولَعَمْرُ اللهِ لَئِنْ كانَ وَادُ الفَتاةِ في الجاهِلَيَّةِ مِن أشْنَعِ الجَرائِمِ وأَبْشَعِها فَهَذه خُطَّةٌ لِوَادِ أُمَّةٍ بَأَسْرِِها!، ولَيْسَتْ تَتَناهَى بَشاعَةً وقُبْحًا!!.
فَلَما سَمِعَ حدِيثِي هذا تِلْمِيذٌ لِي أَنْدَلُسِيُّ الأُصولِ مَغْرِبِيُّ الدارِ - لا زِلْتُ أَعُدُّهُ مِنَ التلامِذَةِ الأَوْفِياءِ وما أَقَلَّهُمْ في زمانِنا هذا - ذكَرَ لِي ما يَجْرِي في تِلكَ الأيامِ عَلى أرْضِ (الرباطِ - المغْرِب) التي لَمْ تَزَلْ عَلى مَرِّ تارِيخِها حِصْنَ المُسْلِمينَ الأولَ لِصَدِّ الحَمَلاتِ الصلِيبِيةِ على مغْرِبِ العالَمِ الإسلامِي؛ حَتَّى ابْتُلِيتْ (بِدُعاةِ العِلْمَانِيَّةِ) فِي قَرْنِها الأخير؛ فَحَدَّثَنِي عَنْ حَمْلَةٍ شَعْواءَ يَقُودُها بَعْضُ أولئكَ المُغْرِضِينَ وتَنْفُثُ في كِيرِها أَفْواهٌ غَرْبِيَّةٌ وشَرْقِيَّةٌ تَتَّهِمُ الإسلامَ بِهَضْمِ حُقوقِ المَرْأةِ!؛ وتَطالِبُ بِتَشْريعِ قانُونٍ يَمْنَعُ تَعَدُّدَ الزوجات!؛ ويَمْنَعُ الطلاق؛ أَوْ يُحَدِّدُهُ!؛ وأنْ يُجْعَلَ للمَرأَةِ الحقُّ في الزواجِ دُونَ سُلْطانٍ أحدٍ عَلَيها؛ كما طالَبَتْ بَعْضُهُنَّ في المُقابِلِ بالسماحِ للمَرْأةِ بِتَعَدُّدِ الأَزواجِ أَيْضًا!!.