ثُمَّ اسْتَحالَتْ فَضِيلَةً حِينَ قامَ بَينَ الناسِ نِظامُ المِلْكِيَّةِ؛ وأنَّ العَرُوسَ بِسَبَبِ ذلكَ في ظلِّ نظامِ الزواجِ كانَتْ تُشْتَرَى بِثَمَنٍ أغْلَى إنْ كانَتْ بَكْرًا ... إلَى آَخِرِ ما قُلْتُمْ؛ فَقَدْ أَبْعَدْتُمُ النُّجْعَةَ في ذلكِ؛ وجانَبْتُمُ الصوابَ؛ وأخْطأتُمْ طريقَ الرُّشد، وإنما أُتِيتُمْ مِن جِهَةِ إعْراضِكُمْ عن اللهِ واليومِ والآخِرِ؛ فإنَّ الأخْلاقَ وبَيانَ حَسَنِها مِن قَبِيحِها قَدْ جاءَتْ بِه الشرائعُ السماوِيَّةُ؛ وعَلَّمَها اللهُ تَعالَى آدَمَ لما عَلَّمَهُ الأسماءَ كُلَّها، ثُمَّ نَحْنُ نَرَى فِي فِطْرَةِ الإنسانِ القُدْرَةَ عَلى التَمْييزِ بَيْنِ الصِّدْقِ والكَذِبِ والأَمَانَةِ والخِيانَةِ فَيَسْتَعْلِنُ بالأّوَّلَيْنِ ويَسْتَخْفِي بالأخِيرَينِ، بَلْ أَوْدَعَ اللهُ تعالَى فِي مَخْلُوقاتِهِ مِن غَيرِ الإِنْسانِ القدْرَةَ عَلَى ذلكَ، فَنَرَى (الهِرَّةَ) مَثَلًا تُفَرِّقُ بَينَ ما يُلْقَى إلَيها مِن الطعامِ وبَينَ ما تَخْتَلِسُهُ اخْتلاسًا؛ فَتَانَسُ فِي الأولِ وتَفِرُّ في الثانِي!، فكَيْفَ بالإنْسانِ الذي قالَ اللهُ تعالَى فيه: {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ} أي: طَريقَ الخَيرِ وطَريقَ الشر؟!.
وهكَذا شَانُكُمْ في تَعَدُّدِ الزوْجاتِ!؛ فَفِي قَصَّةِ الحضارَةِ يَقُولُ (وِلْ ديورانَتْ) في (1/ 120) : والمسِيحِيُّونَ يَصْطَنِعُونَ نِظامَ الزوْجَةِ الواحِدَةِ بَيْنَما إنْجِيلُهُمْ يُحَلِّلُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ!؛ وامْتَنَعَ الرِّقُّ امْتِناعًا تامًّا بَيْنَما المُتَدَيِّنُونَ كانُوا يُدافِعُونَ عَنْ قِيامِهِ بشَواهِدَ من الإنْجيلِ لا تُنْقَض!. انتهى.
وتَدَّعُونَ فِي كُلِّ هذا مُراعاةَ حُقُوقِ المَرْأَةِ مَعَ أنَّكُمْ مِن أَواخِرِ من عَرَفْتمْ لها من الأُمَمِ حقًا!؛ حَتى إنَّ المُصنِّفَ المذكُورَ لما ذكرَ قانُونَ حُمورابِي وما فِيهِ من الجَورِ والظلْمِ للمَرْأَةِ ذكَرَ أيضًا بَعْضَ ما كانَتْ تَتَمَتّعُ بهِ المرْأَةُ في ذلكَ القانُونِ مِن الحُقُوقِ؛ ثُمَّ قال: (ولَمْ تَسْتَمْتِعْ نِساءُ إِنْجِلترا نَفْسِها بِهذه الحقُوقِ إلا فِي أواخِر القَرْنِ التاسِع عَشر) !، وصَدَقَ؛ فإنَّ القانُونَ في تلكَ البلادِ إلى أَوائِلِ القَرْنِ المَذكُورِ كانَ يَجْعَلُ المَرْأةَ مِلْكًا مِن أمْلاكِ الزوجِ؛ يَجُوزُ لَه بَيْعُها وهِبَتُها!؛ والسعْرُ المُحَدَّدُ لَها هُو سِتَّةُ قُرْوش!!.
وشاءَ اللهُ تعالَى أنْ يَشيعَ أمْرُ هذا المَجْلِسِ بَيْنَ جَماعَةٍ مِن أَصْحابِنا؛ وأنْ يَتَناقُلُوهُ، فَكَأَنَّما كانَ مِفْتاحًا للسؤَالِ عن كَثِيرٍ منَ الإشكالاتِ العالِقَةِ فِي الأذهانِ حَوْلَهُ؛ والتِي أمْلَتْها الحَياةُ الغَرْبِيَّةُ ورَوَّجَ لها الإعلامُ الغَرْبِيُّ!، فَصِرْتُ بَعْدَها لا أَحْضُرُ مَجْلِسًا مِن المَجالِسِ أوْ مُجْتَمعًا مِن الناسِ إلا وبادَرُونِي بالسؤالِ عَما أَلَمَّ بِهِمْ مِن ذلك، خاصَّةً وأنَّ كثيرًا من العامَّةِ هُناكَ كَثِيرُوا المُخالَطَةِ للمَدَنِيِّينَ والحيَاةِ المَدَنِيَّة؛ فلا يَزالُونَ يُثِيرُونَ عِندَهُمُ الشُّبْهَةَ بَعْدَ الشبْهَةِ؛ ويُورِدُونَ عَليْهمُ الإشكالَ تِلْوَ الإشكالَ؛ ويَتَّهِمُونَ الإسلامَ بِظُلْمِ المَرْأَةِ فِي إباحَةِ التَّعَدُّدِ، والعامَّةُ لا يَجِدُونَ في جوابِهِمْ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سبيلا.
وكُنْتُ بِحَمْدِ اللهِ أُجِيبُ في كُلِّ مَجْلِسٍ مِن هذه المَجالِسِ بِما يَسَّرَ اللهُ تَعالَى لِي؛ مِمَّا حَكَيْتُ وَسَأَحْكِي جُمْلَتَهُ في هَذهِ المُسامَرَةِ إنْ شاءَ اللهِ، كما كُنْتُ أقُصُّ عَلَيْهِمْ خَبَرَ حَديثِي مَعَ المَرْأَةِ؛ وأُضِيفُ إلى ذلكَ بَعْضَ ما وَقَعَ لِي مِن الطَّرائفِ في تِلكَ البلاد.
فَقُلْتُ لِجُلَسائِي مَرَّةً: قَرَأَتُ قَبْلَ أَيامٍ في بَعْضِ المَجَلاتِ خَبَرًا يَحْكِي عَنْ أُسْرَةٍ بَريطانِيَّةِ مِنْ أَبٍ وأُمٍّ أَنْجَبا اثْنَيْ عَشَرَ طِفْلًا!؛ كُلُّهمْ أشِقَّاءٌ للأَبَوَيْنِ المَذْكُورَينِ؛ وقَدْ أجْرَتِ المَجَلَّةُ لِقاءً مَعَهُما تَحَدَّثا فِيهِ عَنْ سَعادَتِهِما الغامِرَةِ بِذلكِ؛ وانْتَشَرُ الخَبَرُ وشاعَ وعُدَّ مِن النَّماذجِ التي لا بُدَّ أنْ تُحْتَذى في المُجْتَمَعِ البريطانِي، بَعْدَ أنْ أثبَتَتْ دِراسَاتٌ وأبْحاثٌ اجْتِماعِيَّةٌ ارْتِفاعَ نِسْبَةِ الشيْخُوخَةِ في المَجْتَمَعِ والتي تَهَدِّدُ بِهُبُوطٍ في عَدَدِ سُكانِ البلادِ خِلالَ بِضْعِ عَشَراتٍ مِن السنينَ؛ حَتَّى إنَّ الحُكُومَةَ قَدْ خَصَّتْ كُلَّ أُسْرَةٍ يَبْلُغُ عَدَدُ أطْفالِها خَمْسَةً أو يَزيد بِرِعايَةٍ خاصَّةٍ ومَعُونَةٍ إضافِيَّةٍ من صُنْدُوقِ الضمانِ الاجْتماعيِّ تَشْجِيعًا عَلى زِيادَةِ مَعَدَّلِ الإنْجاب.
وهذه المُشْكِلَةُ التي واجَهَتْها الحُكُومَةُ وحَلُّها؛ هِيَ أَحَدُ المشاكِلِ الاجْتِماعِيَّةِ الكُبْرَى التي سَدَّ الإسلامُ بابَها وبَيَّنَ عِلاجَها بِما أباحَهُ مِن التَعدُّدُ، لأنَّ القوَّةَ البَشَرِيَّةَ مِن عَناصِرِ بِناءِ الأمَّةِ والدَّوْلَةِ؛ فإذا كانَ المَطْلُوبُ مِن الأُمَةِ أنْ تَكونَ