عَنْهُما، كَما زَوَّجَ ابْنَتَيِهِ رُقَيَّةَ وأمَّ كُلْثُوم من عثْمانَ؛ وفاطَمَةَ مِن عَليٍّ وهما بَقَيَّةُ الخلفاءِ الراشدينَ المَهْدِيينَ، فكانَ في ذلكَ مِنْ تَألِيفِ القُلُوبِ وتَطِيِيبِ الخَواطِرِ وفَتْحِ الطريقِ لِدَعْوَةِ الإسْلامِ؛ ومُصاهَرَةِ قَبَائِلِ العَرَبِ لَه، وَمِن تَقْوِيَةِ أواصِرِ المَوَدَّةِ بَيْنَ أُمَراءِ الدّوْلَةِ الإسلامِيةِ وقادَتِها ما هُوَ مِن أَعْظَمِ أسبابِ بَقائِها؛ وهُوَ مِن الأسْبابِ المَعْهُودَةِ المَعْرُوفَةِ التِي لا تَزَالُ تَاخُذُ بِها الأُمَمُ لحِفْظِ المُلكِ والسُلطان.
واعْلَمِي أَنَّ تَعَدُّدَ الزَّوجاتِ لَيسَ خاصًّا بالمُسْلِمِينَ وحَدَهُم!؛ بَلْ فِي الغَرْبِ شُعُوبٌ كانَ عِنْدَهَا تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ مِثْلُُ (الغُولُوا) , و (الأَلْمانِ) ، فَفِي زَمَنِ (سيزَارَ) كانَ تَعَدُّدُ الزَّوْجاتِ شَائِعًا عِنْدَ (الْغُولُوا) ، وكانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ (الأَلْمانِ) فِي زَمَنِ (نَاسِيت) ، بَلْ أَبَاحَهُ بَعْضُ البَابَوَاتِ لِبَعْضِ الملُوكِ بَعْدَ دُخُولِ الدِّينِ الْمَسيحِيِّ إِلَى أَوْرُبَّةَ مِثْلِ (شَارْلْمَانَ) مَلِكِ فَرَنْسَا!، وَكَانَ ذلكَ بَعْدَ الإِسْلاَمِ.
وقَدْ مارَسَ الفَراعِنَةُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ أَيْضًا؛ وكانَ لِرَمْسيسَ الثانِي ثَمانٍ مِن الزوجاتِ؛ سِوى عَدَدٍ مِن الجوارِي، وأنْجَبَ مِنَ الولَدِ مائةً وخَمْسينَ ذُكورًا وإناثا، ولا تَزَالُ أسماءُ أبْنائِهِ وأزْواجِهِ مَنْقُوشَةً على جُدْرانِ مَعابِدِ الفراعِنَةِ إَلى اليوم.
قالَ (ولْ ديورانْت) مُؤلفُ قِصة الحضارَة: وأجازَ التُّلْمُودُ، كَمَا أَجازَ العَهْدُ القَدِيمُ والقُرْآنُ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ، ومِنْ أَقْوَالِ أَحَدِ الأَحْبارِ فِي هَذَا الْمَعْنَى: (يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَيَّ عَدَدٍ مِنَ النِّساءِ يَشاءُ) !. انْتَهى.
فَتَعَدُّدُ الزوجاتِ مَباحٌ في الشريعَةِ اليَهُودِيَّةِ؛ وإنَّما حَرَّمَهُ الحاخاماتُ فِي الغَرْبِ ابْتِداءً مِن القَرْنِ الحادِي عَشر، وفِي مُوسُوعَةِ اليَهُودِ واليَهُودِيَّةِ لعَبدِ الوهابِ المَسِيرِيِّ أنَّ المَنْعَ امْتَدَّ مِن هُناكَ إلى كَثِيرٍ مِن بِلادِ العالَمِ؛ وأنَّ مِنَ اليَهُودِ مَنْ لا يَزالُ يُمارِسُ هذا!!.
وَيَقُول (دْيُورانَت) أَيْضًا: وَنِظامُ تَعَدُّدِ الأَزْواجِ هَذَا تَفْتَرِضُهُ كَذلِكَ العَادَةُ القَدِيْمَةُ؛ التِي يُطَالَبُ اليَهُودِي بِمُقْتَضاهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ أَرْمَلَةِ أَخِيهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، ثمَّ ذكرَ أنه نِظامٌ لَمْ يقمْ على العطْفِ والشفَقَةِ فَحَسْبُ؛ بلْ علَى الرغْبَةِ من الإكثارِ من النسل.
وأشارَ فِي كِتابِهِ (1/ 2/333) إلى ما كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السلامُ مِن الزوجاتِ والسراري؛ فقال: وإنْ كانَ المُؤَرِّخُونَ يَنْقُصُونَ زَوجاتِهِ السبعمائةَ وسَرارِيَهُ الثلاثَمائَةَ! إلى سِتِّينَ وثَمانِينَ عَلَى التوالِي!!، يعني: ستينَ زَوْجَةً وثمانِينَ سَرِيَّة!، قال: ولَعَلَّهُ أرادَ بِبَعْضِ هذه الزيجاتِ أن يُوَطِّدَ صِلاتِهِ بِمِصْرَ وفِينِيقْيَةَ، أو أنْ يَتْركَ نَسلًا لَهُ قُوَّةٌ جِنْسِيَّةٌ عظِيمَةٌ كما فَعَلَ رَمْسيسِ الثانِي!. انتهَت العِبارَةُ بالمَعْنَى.
وفِي العَهْدِ القَدِيمِ مِن سِفْرِ التكْوينِ في البابِ التاسِعِ والعِشرين (15 - 35) أنَّ يَعْقُوبَ عَليهِ السلامُ تَزوَّجَ مِن امْرَأتَينِ، وأنَّ داودَ علَيهِ السلام تَزوجَ من سبعينَ امرَأةً؛ أو مِن تِسعٍ وتِسعين.
وفِي (الإصْحَاحِ الخَامِسِ مِنْ سِفْرِ صَمْوئيلَ) أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عَدَدًا مِن الزَوْجَاتِ وَالْمَحْظِيَّاتِ، وهكذا شانُ يَعْقُوبِ عَلَيهِ السلامُ.
بلْ كافَّةُ نصُوصِ العَهْدِ القَديمِ تُبِيحُ تعَدُّدَ الزوجاتِ لجَمِيعِ الأفراد، وليسَ عنْدَ النصارَى دليلٌ واحدٌ في كُتُبِهم على المنْع، بلْ إنَّهُم تأثُّروا بالبلادِ التي نَشُروا فيها دَعْوَة التنْصيرِ فَسَمَحُوا للقساوِسَةِ في أفريقْيا بَتَعَدُّدِ الزوجاتِ؛ في الوَقْتِ الذي حَرَّمُوهُ علَيهم في أوروبا وأجازوا لَهُمْ صَداقَةَ الإناثِ بلا حَدٍّ ولا عَدَد!، معَ التنْبِيهِ على أنَّ الكَنِيسَةَ ظلَّتْ تَعْتَرفُ بالتعَدُّدِ إلَى القَرْنِ السابِعِ عَشَر.
ويَهُودُ داغِسْتانَ؛ ويُقالُ لَهم: يَهُودُ الجِبالِ؛ أو ( Tat Jews) - وهُمْ إيرانِيُّوا الأُصولِ يَعِيشُونَ فِي داغِستانَ وأذْرَبِيجانَ؛ والذينَ هاجَرَ جَماعَةٌ مِنْهُمْ إلى فِلَسْطينَ بَيْنَ عامِيْ (1974) ومُنْتَصَفِ الثمانِيناتِ - مُنْتَشرٌ بَينَهُمْ تَعَدُّدُ الزوجاتِ أَيْضًا.