الصفحة 29 من 159

غَيَرَ أنَّ الذي فاتَها مِنْ وراءِ هذا كُلِّهِ؛ وهُوَ عُنوانُ الفَضيلَةِ والكرامَةِ التي حازَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ مِنها ذُرْوَتَها؛ أَنَّهُ عليهِ السلامُ معَ هذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَعْداؤُهُ وخُصُومُهُ بَلْ أشدُّهُمْ عَداوَةً لهُ وإلِى يَوْمِنا هذا أنْ يَنْسِبُوهُ إلَى رِيبَةٍ وإنْ دَقَّتْ!؛ حَتى قَبْلَ بِعْثَتِهِ واصْطِفائهِ رَسولًا للعالمِين، مَعَ شِدَّةِ حِرْصِ أَعْدائهِ من مُعاصِرِيهِ ومَنْ بَعْدَهُمْ على الطعْنِ فِيهِ بِكُلِّ ما أَمْكَنَهُمْ ولَو كَذبًا!!؛ فَلما لَمْ يَجِدُوا مِنْهُ مَوضِعًا لغامِزٍ صِيانَةً مِن اللهِ تعالَى وحِفْظًا تَوافَرُوا عَلى جَعْلِ إكثارِهِ من الزواجِ سَبِيلًا إلى الكَيْدِ الذِي يَرُومُون!.

وهذا مِنْ دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ أَيضًا صلَواتُ اللهُ وسلامُهُ عَليْه؛ فإنَّهُ مَعَ ما آتاهُ اللهُ تَعالَى مِن القُوَّةِ في ذلكَ حَتَّى كانَ يَطُوفُ علَى نِسائِهِ وكُنَّ تِسْعًا في الليْلَةِ الواحِدَةِ!؛ يَغْتَسِلُ عِنْدَ كلِّ واحِدَةٍ مِنْهن، إلا أَنَّهُ كانَ مالِكًا لِنَفْسِهِ؛ أَبْعَدَ خَلْقِ اللهِ عَما نَهَى اللهُ عَنْهُ وكانَتْ عائِشَةُ تَقولُ: وكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ (تعْنِي: لِشَهْوَتِه) .

وقَالتْ المَرْأَةُ في المَجْلِس: لكِنّهُ جَمَعَ بَينَ تِسْعِ نِسْوَةٍ في وقْتٍ واحد!.

قُلْتُ: إنْ كانَ اللهُ تعالَى قَدِ اخْتَصَّهُ بالنُّبُوَّةِ وهِيَ أَعْلَى ما يَخْتَصُّ بِهِ عَبْدًا مِن عِبادِهِ؛ فَلَهُ بَعْدَ ذلكَ أنْ يَخُصَّهُ بما شاء ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وقَدْ اخْتَصَّ اللهَ تعالَى الأنْبِياءَ بِفَضائلَ لا يُشارِكُها فِيها سِواهُمْ؛ فَما يُنْكَرُ مِن اخْتِصاصِهِ صلَواتُ اللهِ وسلامَهُ علَيْهِ بِذلك؟!.

وأزِيدُكِ لِما مَضَى مِن الكَلامِ بَيانًا وإيضاحًا:

فإنَّ النبيَّ مُحَمَّدًا عَلَيهِ الصلاةُ والسلامُ عاشَ قَبْلَ البعْثَةِ أَرْبَعِينَ عامًا؛ كانَ فَيها مَوفُورَ الصحَّةِ والعافِيَةِ؛ كما كانَ مَوْفُورَ المَكانَةِ والشرَفِ في قَوْمِه، وقَدْ آتاهُ اللهُ تعالَى مِن جَمالِ الصورَةِ ما جَعَلَ واصِفَهُ يُفَضِّلُهُ عَلى البَدْرِ بَهاءً وحُسْنًا!؛ وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هذه الصفاتِ عَلَى انْفِرادِها مِمّا تَرْغَبُهُ المَرْأَةُ في الرجُلِ، فَكَيفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ؟!؛ والرجُلُ أرْغَبُ ما يَكُونُ في النساءِ إذا كانَ في سِنِّ الشبابِ؛ ومَعَ ذلكَ فَإِنَّهُ صَلَواتُ اللهُ وسلامُهُ عَليهِ اكْتَفَى فِي سِنِيِّ شَبابِهِ بامْرَأَةٍ واحِدَةٍ تَكْبُرُهُ بِخَمْسَةَ عَشرَ عامًا على المَشهُورِ من الروَاياتِ؛ وهِيَ خَديجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها؛ ولمْ تكُنْ فَوقَ ذلكَ بِكْرًا؛ بَلْ تَزَوجَتْ قَبْلَهُ مِن رَجُلَينِ ولَها أَبْناءٌ كِبار!!؛ وهُوَ إذ ذاكَ في الخامِسَةِ والعِشرينَ من العُمُر، وبَقِيَ مَعَها لَمْ يَتَزَوجْ عَليها أحدًا من النساءِ إلَى وَفَاتِها!؛ وكَانَ قَدْ جاوزَ الخَمْسينَ مِن العُمُر!!؛ ولَمْ يُعَدِّدِ إلاَّ فِي الثالِثَةِ والخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ الشريفِ عَليهِ السلام؛ ولَما عَدَّدَ كانَ بَيْنَ نِسائهِ الشابَّةُ والمُسِنَّةُ؛ والبِكْرُ والثَّيِّبُ؛ فالتزَمَ العَدْلَ بَينَهُنَّ؛ فِي المَبِيتِ والنفَقَةِ!؛ ولَمْ يَمِلْ إلَى الشابَةِ أو البِكْرِ كما تَقْتَضِيهِ الطبِيعَة!، أَيُقالُ فيمَنْ هذا حالُهُ ما ذَكَرْتِ؛ وما يَقُولُهُ الخَرَّاصُون!، أمْ يُقالُ إنَّ زواجَهُ كانَ لِمَصالِحَ مَرْعِيَّةٍ مَعْتَبَرَةٍ اقْتَضاها ما كُلِّفَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرسالَةِ والتشريعِ للأمَّةِ من بعْدِهِ.

وأَمْرٌ آخَرُ هُوَ مِن العَجَبِ بِمكان!، ذلكَ أَنَّهُ عُرِفَ عنهُ صَلَواتُ اللهُ وسلامُهُ عَلَيهِ أَنَّهُ كانَ قَليلَ الطعامِ والشراب، يَمُرُّ بِهِ الشهْرانِ والثلاثُ لا يُوقَدُ في بَيْتِهِ نار، ورُبَّما رَبَطَ عَلى بَطْنِهِ جُوعًا؛ ولَمْ تَكُنْ حَياتُهُ حَياةَ المُلُوك!؛ ومَعَ ذلكَ كانَ يَقْدِرُ عَلى هذا العَدَدِ من النساء!!، فَدَلَّ علَى أَمْرِ خارِقٍ للعادَةِ هُوَ مِن دَلائلِ نُبُوَّتِهِ صلواتُ اللهُ وسلامُهُ علَيْه.

وفِي جَمْعِهِ بَيْنَ هذا العَدَدِ مِن النِّسْوَةِ مَصالِحُ أُخْرَى سِوى ما تَظُنِّينَ، ولَوْ كَانَ ذَلكَ عَنْ شَهْوَةٍ لاخْتارَهُنَّ أَبْكارًا؛ مَعَ أَنَّ كَثِيرَاتٍ عَرَضْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَلَيهِ هِبَةً وَرَدَّهُنَّ!.

والمَصالِحُ التِي أَشَرْتُ إِلَيْها مِنْها ما يُنْظَرُ إلَيْهِ باعْتِبارِ مَجْمُوعِهِنَّ كَنَقْلِ هَدْيَهِ والاطلاعِ علَى سَنَّتِهِ؛ وما نَقَلْنَهُ مِن العُلُومِ والآدابِ والأخلاقِ، ومِنها ما يُنْظَرُ إلَيهِ باعْتِبارِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ، عَلى أنَّ كُلَّ ذلكَ راجِعٌ إلى مَصْلَحَةِ الإسلامِ ودَعْوَتِهِ، كَزواجِهِ من عائشةَ وحَفْصَةَ رضي اللهُ عَنْهُنّ؛ وهما ابْنَتا وَزَيرَيهِ والخَلِيفَتَينِ من بَعْدِه؛ أبي بَكْرِ وعُمَرَ رَضيَ اللهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت