وأبو عبدِ الله بنُ القَمَّاحِ الشافِعيُّ؛ في القرنِ السابعِ أيضا؛ أعجوبَةٌ في قوةِ الحفظِ؛ إذا سُئلَ عن آيةٍ ذَكَرَ ما قَبْلَها وما بعْدها؛ سريعَ الحفظِ بعِيدَ النسيان، كما في الدرر الكامِنَةِ لابنِ حجر.
وأبو المعالِي السلميُّ الحلبي؛ في القرنِ نَفْسِه؛ حفظَ (سورَةَ الأنعامِ) شابًا من مَرَّةٍ واحدَة!. عن الدررِ أيضًا.
ومِن بِيتِ المقْدس؛ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن قدامةَ المقدِسيُّ الصالحي؛ رئيسُ القضاةِ؛ كانَ سريعَ الحفظِ مع جلالَةٍ وهيبة؛ فارِسًا يركَبُ الخيلَ ويغْزُو بِنَفْسِه.
وأبو الفَضل بَهَاءُ الدين القرشيُّ الدمشقِي؛ شيخُ القُضاة؛ كانَ يحفظُ الورقَتَينَ والثلاثَ من نَظْرَةٍ واحدة؛ ذكره ابنُ قاضي شُهْبَةَ في طبقاتِ الشافعية. وهذان العلمانِ أيضًا من القرنِ السابع.
وأبو حفص الزهري النابلسيُّ قاضي نابلس؛ كان سريعَ الحفظِ سريع الكتابة؛ مات في القرن الثامن.
وأبو الفضل العراقِيُّ الحافظُ؛ توفي أوائلَ القرنِ التاسع؛ وكانَ مُفْرطَ الذكاء؛ أخبَرَ عن نَفْسه أنهُ حفظَ في يومٍ واحدٍ أربعمائةَ سطرٍ في الفقه!.
والحقَّ أَقُولُ لك: إنَّنا نُجْحِفُ بِتارِيخِنا أشدَّ الإجحافِ لو ظَنَنَّا أنهُ يَسَعُنا أنْ نُوفِّيَ أساطينَ العِلْمِ والأفذاذَ مِنهمْ حقهم في هذه المُسامَرَة؛ أو أنهُ يَسَعُنا أنْ نأتِي على أخبارِ الكثيرينَ منهم، وإنما هيَ شَذراتٌ تُرشدُ إلى ما سواها، لمْ يَخْلُ عنْ مَثِيلاتِها وللهِ الحَمْدُ زَمانٌ ولا مَكان.
خُذْ مِثالًا فِي القَرْنِ الماضِي عالِمًا مِنْ نَوادِرِ عُلَماءِ المُسْلِمينَ وعَباقِرَتِهِمْ في الديارِ الهِنْدِيَّةِ التي كادَتْ تُطْوَى عَنْ عالَمِ الإسلامِ صَفْحَتُها لولا لُطْفُ اللهِ تعالَى، وهُوَ العلامَةُ ثَناءُ اللهِ الإمْرَتْسَرِيُّ رَحِمَهُ الله؛ وكانَ أُعْجُوبَةً مِن الأعاجِيبِ فِطْنَةً وذكاءً مَعَ جوابٍ حاضِرٍ وخاطِرٍ مُتَوقِّد، وكانتْ لهُ مَناظَراتٌ مَعَ الهنادِكَةِ؛ والنصارَى وغَيرِها من مِلَلِ الكُفْرِ، حَكَى لِي بَعْضُ العُلَماءِ أنهُ قالَ لَهُ بَعْضُهُمْ فِيها مُسْتَهْزِئًا: وماذا تَرَونَ في الكِلابِ؛ أَمْنَ المُسْلِمِينَ هِيَ أمْ مِنَ الهَنادِكَةِ؟!!.
فَأجابَهُ عَلى البَدِيهَةِ: نُلْقِي إلَيها بَعْضَ العِظامِ؛ فإنْ رأَيْناها اتَّفَقَتْ فِيما بَيْنَها وتَقَاسَمَتْها دُونَ اختلافٍ ومُشاجَرَةٍ حَكَمْنا بإسلامِها!.
وإنْ رأيناها اخْتَلَفَتْ وتَهارَشَتْ ونَبَحَ بَعْضُها في وَجْهِ بَعْضٍ فَهِيَ مِنْ الهَنادِكَة!!.
ومِمَّا وَقَعَ لهُ وظَهَر؛ وشاعَ خَبَرُهُ وانْتَشَر، أَنَّهُ لما ظَهَرَ في القَرْنِ الماضِي غَلام أَحْمَدَ مِيرْزا القادْيانِيُّ المُتَنَّبِّئُ الكَذابُ الذي ادَّعَى النَبُوَّةَ وفُتِنَ بهِ كَثَيرٌ من الخَلْقِ وكانَ مِنْ صَنائِعِ الإنْجِليزِ!؛ جَرَتْ بَينَهُ وبَينَ الشيخِ رَحِمَهُ اللهُ مُناقَشاتٌ ومَناظَرات؛ ودَعاهُ الشيخُ في آخِرِها إلى المُباهَلَةِ (الدعاء باللعَنَةِ