الصفحة 21 من 159

وَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى رَجُلٍ مُتَأَبِّطٍ شَيْئًا (يَحْمِلُ شَيْئًا تَحْتَ يَده) ؛ فَقَالَ: هَذا رَجُلٌ مَعَهُ سُكَّرٌ (حَلْوَى) ؛ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ غُلاَمٌ!، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ؛ فَسَأَلَهُ؛ فَوَجَدَهُ كَمَا قَالَ، قِيلَ لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذلكَ؟!؛ قالَ: رَأَيْتُ الذبابَ قَدْ أَطافَ بِهِ؛ فَقُلْتُ مَعَهُ سُكَّرٌ؛ وَرَأَيْتُهُ نَشِيطًا مَرِحًا؛ فُقُلْتُ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ!.

وَنَظَرَ إِياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ إِلَى رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ الجامِعِ؛ فِقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَيَّاطًا، وهُوَ يَخِيطُ القَلانِسَ، فَكَانَ كَمَا قالَ!، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ عَرَفْتَ؟ قال رأيتُهُ يُحَرِّكُ رَاسَهُ كمَا يَفْعَلُ الْخَيَّاطُ، وَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ!.

ومِنْ أَخْبارِ فِطْنَتِهِ فِي القَضَاءِ: أَنَّهُ حَصَلَ أنِ اسْتَوْدَعَ رُجُلٌ رَجُلًا مِيرَاثًا مِنَ المالِ؛ فَجَحَدَهُ المُسْتَوْدَعُ؛ فَأَتَى صاحِبُ المالِ إِيَاسًا وهُوَ عَلى القَضاءِ؛ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَالَ لَهُ إياسُ: هَلْ عَلِمَ الرجُلُ أَنَّكَ تَاتِينِي؟؛ قَالَ: لاَ؛ قَالَ: أَفَنَازَعَهُ أَحَدٌ فِي هذا؟؛ قالَ: لاَ؛ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِهَذَا، قالَ: فَانْصَرِفْ ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ وَدَعَا إِياسُ الرجُلَ الذي جَحَدَ الوَدِيعَةَ فَقَالَ لَهُ: قَد اجْتَمَعَ عِنْدِي مالٌ كثِيرٌ أُرِيدُ أَنْ أُودِعَكَهُ؛ أَفَحَصِينٌ مَنْزِلُكَ؟؛ قَالَ نَعَمْ؛ قالَ: عُدْ إِلّيَّ يَوْمَ كَذَا، وَأَعِدَّ مَوْضِعًا لِلْمَالِ وَقَوْمًا يَحْمِلُونَهُ؛ فَفَعَلَ، فَعادَ الرَّجُلُ صاحِبُ المالِ إِلَى إِيَاس؛ فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِكِ فَاطْلُبْ مَالَكَ؛ وَإنْ جَحَدَكَ فَقُلْ لَهُ: إِنِّي أُخْبِرُ القاضِيَ، فَأَتَاهُ؛ فَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ؛ فَرَجَعَ إَلَى إِياس، فَقَالَ: قَدْ أَعْطانِي المالَ؛ وجاءَ الرجُلُ الجاحِدُ إِلَى إِياسٍ لِمَوْعِدِهُ يَظُنُّ أنَّ القاضِيَ سَيضعُ عِنْدَهُ المالَ الكَثير؛ فَزَجَرَهُ وَأَشْهَرَ أمْرَهُ بَينَ الناسِ، وَقَالَ لَهُ: لاَ تَقْرَبْنِي يا خَائِنُ.

وأَخْبارُهُ كَثيرَةٌ جِدًا؛ تَحْتَمِلُ أنْ تُفْرَدَ بالتصيفِ في كتاب؛ وللْمَدائِنِيِّ كِتابٌ سَماهُ: رُكْنُ إياس، واستَوعَبَ أخبارَهُ ابنُ عَساكِر فِي تَارِيخِ دِْمَشْقَ؛ والمِزِّيُّ في التهْذيبِ.

ولَمْ يُغْلَبْ عَلى ذكائِهِ المُفْرِطِ هَذا إلا مَرَّةً واحدة!، ذلكَ أنهُ كانَ في مَجْلِسِ القضاءِ؛ فتخاصَمَ إلَيهِ رَجُلانِ في بُسْتان؟؛ فقَالَ لِمَنْ كانَ البُستانُ في يَدِه: مُنْذُ كَمْ وأنتَ تَمْلِكُهُ؟؛ قال: مَنذُ كذا مِن السنِين، فقالَ له: فَكَمْ عَدَدُ الشجَرِ فِي البُسْتان؟؛ فقالَ الرجُلُ: أَعَزَّ اللهُ القاضِيَ؛ مَنْذُ كَمْ وهُو يَقْضِي في هذهِ الحُجْرَة؟؛ فقال إياسُ مُنْذُ كذا وكذا، فقالَ لهُ: كَمْ خَشَبَةً في سَقْفِ الحُجْرَةِ؟!؛ فَسَكَتَ إياسُ رَحِمَهُ الله.

وَقَالَ إِياسُ فِي العامِ الذِي مَاتَ فِيهِ: رَأَيْتُ فِي الْمَنامِ كأَنِّي وَأَبِي عَلَى فَرَسَيْنِ؛ فَجَرَيَا معًا فَلَمْ أَسْبِقْهُ وَلَمْ يَسْبِقْنِي، وَعَاشَ أَبِي سِتًا وَسَبْعِينَ سَنَةً؛ وَأَنَا الآنَ في هذا العُمُر، فَلَمّا كَانَ فِي آخِرِ لَيَالِيهِ؛ قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيَّ لَيْلَةٍ هذِهِ؟؛ اسْتَكْمَلْتُ فِيها عُمُرَ أَبِي!؛ وَنَامَ فَأَصْبَحَ مَيِّتًا!. وكانَتْ وفاتِهُ بِواسط مِن العِراقِ، وَوَفاةُ أبيهِ في سَنَةِ (64) قَتَلَتْهُ (الأزارِقَةُ) مِن الخَوَارِجِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت