وأخْرى لا بُدّ مِنْها: أن جَميعَ أوامِرِ الشرعِ وتَكاليفِهِ قد جاءَتْ مُوافِقَةً للسنَنِ الكونِيّةِ القدريةِ؛ لا تُخالِفُها بِوَجْهٍ ولا تَخْرُجُ عنها بحال، وحَيثُ وُجِدَ التعارُضُ في الظاهِرِ بينَهما فهو راجِعٌ إما إلى اعِتِبارِ ما ليسَ من الشرعِ شرْعًا؛ أو إلى الخطأِ في الكشفِ عن السُّنَّةِ الكونِيّةِ.
وللعُلَماءِ في هذا البابِ أقْوالٌ كثيرَةٌ؛ ولولا بُعْدي عن المراجِعِ حينَ كتابَةِ هذه المُسامَرةِ لنَقلتُ منها؛ والذي بينَ يديَّ منها الآن قولُ العلاّمَةِ الأديبِ داودَ بِنِ عُمَرَ الأنطاكِيِّ المُتَوَفّى سنةَ (1008) في (تَزْيينِ الأسواقِ بِتَفْصيلِ أشواقِ العُشاق) : جاء النامُوسُ الشرعيُّ بِمُطابَقَةِ القانُونِ الحِكَمِيِّ؛ كما هُو شأن الشارِعِ في غيرِ هذا أيضًا؛ لِيَكُونَ التطابُقُ بينَ الحِكْمَةِ والشرعِ في كلِّ شيءٍ؛ ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ بَعْضِ الأغْبِياء!!. انتهى
وإنما مَنَلُهُما معًا مَثَلُ القاطِرَةِ لا تَسيرُ إلى بالوَقُودِ الدافعِ وقُضْبانِ سِكّةِ الحديد؛ فالوَقودُ مثلُ الشرعِ والقضبانُ مثلُ السُّنَن؛ ولا تَسيرُ القاطِرَةُ إلا بِهِما!، فاعْقدْ على هذه الخناصر.
نَمْلَةُ سُلَيْمان:
ولِمَ نَذهبُ بعيدًا والله تعالى يَقُولُ: إلاّ أُمَمٌ أمثالُكم!؛ وفي صحيحِ السنةِ قِصةُ الجَمَلِ الذي شَكى إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم أن صاحِبَهُ يُجِيعُهُ ويُدْئِبُهُ في العملِ!، وقصةُ البَقرةِ التي رَكِبَها صاحِبُها والتَفَتَتْ إليه وقالتْ: ما خِلِقْتُ لهذا!، وقصةُ الذئبِ الذي أخذَ شاةً من الراعِي وولّى هاربًا؛ فلمّا لحِقَهُ الراعِي التَفتَ إليه الذئبُ وأقْعَى على رِجلَيْهِ وأنْكرَ على الراعِي طَلَبَه الشاةَ وهي رِزْقٌ ساقَهُ الله إليه!.
وفي القُرْآنِ الكَريمِ قِصَّةُ سُليمانَ عليه السلامُ لما حُشَرَ له جُنُودُهُ من الإنسِ والجنّ والطير؛ حتى أتَوْا على وادِ النملِ؛ فقالتْ نَمْلَةٌ منهن: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} .
ولَيْسَتِ القِصَّةُ من نَسْجِ كاتِبٍ أو وَحْيِ خَيالٍ؛ بل هيَ قَوْلُ الخالِقِ سُبْحانَهُ وقولهُ وخَبَرُهُ حقٌّ وصِدْق، وما دامَتْ الهِدَايَةُ هدايَةَ الله (أعْطى كلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ؛ والخَلقُ خَلْقَ الله؛ فذلك عَظيمٌ لَعَظَمَةِ خالِقِهِ وهادِيهِ وما أَوْدَعَ فيه مِنَ الآياتِ وأَلْهَمَهُ مِنَ العِبَر، ولو أنَّ القصةَ كانَتْ بِقَلَمِ كاتبٍ من الكُتابِ في الأُمم الغَرْبِيّةِ لَعُدّتْ سَبْقًا في بابِها؛ ولَفْتَةً إنسانِيَّةً كريمَةً يستحقٌّ عليها الكاتِبُ التشْجِيعَ والتكريمَ!؛ ولَحُسِبَتْ مَفْخَرةً يَتَشدَّق بها دُعاةُ الحُقُوقِ هناك!.
ومُشْكِلَةُ الإنسانِ أنه كثيرًا ما يُحاكِمُ الأشياءَ إلى فَهْمِهِ وتَصوُّره؛ ورُبما إلى إلْفِهِ وعادَتِه!؛ مع مَا هو عليهِ ويَعْتَريهِ من نَقْصٍ وَجَهالَةٍ؛ حتى يظنَّ العظيمَ حقيرًا والحقيرَ عظيمًا!.
البعوضُ والقاذفات!.
وبالأمسِ لما نزلَ القرآنُ غضًا طريًّا وضَربَ للناسِ الأمثالَ بما كانوا يُحَقِّرونَهُ من المخلوقاتِ تعرضَ له الطاعِنُونَ بالسخْرِيَةِ والاسْتِهْزاء!؛ لأن الطاعِنَ قاسَ حَجْمَهُ إلى حجمِ البَعُوضَةِ!؛ وغَفِلَ عَنْ أن السرَّ في دِقَّةِ الصنْعِ وإبداعِ الصانع!!؛ وقارِنْ إن شِئْتَ بينَ الآلاتِ المَصنُوعَةِ أولَ ما صُنِعَتْ وبينَ ما وَصلتْ إليهِ مع التقدمِ التِّقْنِيِّ والصناعِيِّ؛ كالحاسُوبِ مثَلًا أو غَيرِهِ من المَصْنُوعات!؛ ولذا جاءَ الجوابُ قاطِعًا حاسِمًا لا مُدَارَاةَ فيه ولا غُمُوض: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ... } ؛ ولأنّ المُجْتَمَعَ الإنْسانِيَّ إذ ذاكَ لم يَزَلْ حَديثَ النشْأةِ؛ شانُهُ شأنُ الطفْلِ الوَليد؛ يُحاكِمُ كُلَّ ما يَراهُ وما يَسْمَعُهُ إلى فَهْمِهِ وتَصَوُّرِهِ!!؛ فهلْ يَصحُّ أن يُلْتَفَتَ إلى شيءٍ من أحْكامِهِ وتَقْريراتِه؟!؛ حتى إذا تَقدّمَتْ به السنُّ والخِبْرةُ في الحياةِ وازْدَادَ عِلْمًا بما سَخّرَهُ الله لهُ إذا بهِ يُزيحُ الأستارَ عن خَلْقِ البَعُوضِ وما يَنْطَوي عليه من أسرار؛ لِيُصْبِحَ جِهازُ التّوْجِيهِ الحراريِّ في البَعُوضِ والذي يُصيبُ به فَريسَتَهُ حتى في حالِكِ الظلامِ أساسًا عِلْميًّا للتوجيهِ الحراريِّ في القاذفاتِ الحربِيَّة!.