الصفحة 147 من 159

هكذا الإنسانُ لا يَزالُ يتَعلّمُ من كلّ شيءٍ حولَهُ؛ فالكونُ كلُّه مُسَخّرٌ له مِنّةً من الله تعالى وتَفَضُّلا؛ حتى عُدَّ من الحِكْمَةِ ما يُنْسَجُ من الحكاياتِ على ألسنَةِ الكائناتِ الحيّةِ من حَوْلِهِ؛ بل وغَيْرِها من الكائنات!؛ فما أودِعَ مثلًا في كتابِ (كليلةَ ودِمْنَةَ) أو في غيرهِ من المنثورِ والمَنْظومِ وإن ظنّهُ كثيرٌ من الناسِ للمُتْعَةِ والتّسليَةِ فطالَما انْتُفِعَ به في قواعِدِ السياسَةِ والحِكَمَةِ العَمَليةِ في تَطبيقاتِها؛ ويُحْكى أن واضِعَ الكتابِ في الأصْلِ أرادَ به هذا المَعْنى، وهكذا ما يَنْسِبُهُ الناسُ إلى (لُقمانَ الحكيم) من القصصِ والحكاياتِ المَوْضوعَةِ على ألْسِنَةِ العَجْماوات!، وزِدْ عليْهِ ما تَعَلّمَه الناسُ من الصفاتِ الحسَنَةِ والصفاتِ المذمومةِ التي جَبَلَ الله المخْلوقاتِ عليها؛ كالشجاعةِ في الأسدِ؛ والأنفةِ والتحَمّل في الجمل؛ والصبرِ في الحمار؛ والحذرِ في الغرابِ؛ وحسنِ التدبيرِ في النملِ؛ ونحو ذلك، مما يدلُّ على أن كلّ شيءٍ في الكونِ يجريِ وَفْقَ نِظامٍ لا يَتَغيرُ ولا يتَبدل؛ وأن كل ما فيه قائمٌ على حكمَةٍ بالغَةٍ وإن قصُرَتِ العقولُ والهِمَمُ عن إِدْراكِها!.

وهل أتاكَ نَبأُ الباحثينَ من العلماءِ المُعاصرين وكيفَ أثبَتُوا بالطرقِ الحديثَةِ وُجودَ لُغةٍ يَتخاطَبُ بها النمل!؛ وأن النّمْلَةَ تستطيعُ حملَ عشرينَ ضِعفِ وزْنها؛ وأنها تستطيعُ القِتالَ والدفاعَ عن نَفْسِها كما تَستَطيعُ الأكل ومَضْغَ الطعام!؛ وأن لها دَماغًا ذا قدرةٍ عاليةٍ على التفكير؛ وقد زُوِّدتْ بالقدرةِ على إفرازٍ مواد كيميائيةٍ مِنها ما تَسْتَعْمِلُهُ لِتطهيرِ اليرقاتِ والبيوض؛ ومنها ما تَقْتُلُ به خُصومَها!!؛ وتستَطيعُ إفرازَ حمضِ النَّمْليك ( acid formic) وهو مادَّةُ مُخدِّرةٌ للخصم أيضًا!.

ومن عجائِبِهَا أَنها تشقُّ الحبةَ من القَمْحِ قِطْعَتَيْنِ؛ لئلا تُنْبِتَ، وتَشُقُّ الحبةَ مِنَ الكُزْبَرَةِ أَربعَ قِطَعٍ؛ لأنَّها إذا قُطِعَتْ قِطْعَتَيْنِ أَنْبَتَتْ!!.

أما ما يقومُ به من هندسة لبِناءِ مُسْتعْمراتِه؛ ونظامِ السيْرِ والمُرورِ فيها؛ والدفاعِ عنها؛ وما يَضطلعُ به من تربيةِ صغارهِ والعنايَةِ بهم والشفقةِ عليهم فأمْرٌ يَفوقُ الوصف!.

أثبَتُوا أيضًا أنها أمم تَحتَرفُ القتالَ بمهارَةٍ وكفاءَةٍ عاليتَين!؛ وأن لديها (استراتيجياتٍ) في القتالِ تفوقُ بها عالمَ البَشَر!؛ نعم!؛ ورصَدَت أجهزَةُ تسجيلٍ حساسَةٌ أصواتًا تصدرُ عن معاركهم كتلكَ التي تُسمعُ في المعاركِ بينَ بني البَشر!!.

ومن وراءِ هذا كله أنه عالمٌ قد اجْتَمعَ في الخيرُ والشر! ِ؛ فالحسد والخِداعُ والغشُّ فيهم كما هوَ في بَنِي البَشَر!.

وفي كلِّ هذا رّدٌّ على ما زَعَمَهُ النَّمساوِيُّ المُهتَدي ( L.weiss) أو محمد أسد بعدَ إسلامهِ من أنَّ (قصةَ سليمانَ مع النملةِ وفَهْمَهُ عليه السلام لما قالَتْهُ لزميلاتها من جماعةِ النَّمل بأنّها قصّةٌ خرافية قُصِدَ بها الإشارة إلى إِعْجَابِ سُلَيْمانَ بِعَالَمِ الطبيعَةِ وفَهْمِهِ لَهُ وعَطْفِهِ على أَحْقَرِ مَخْلُوقاتِ الله شَانًا) !!.

والخلاصةُ أن مُجْتَمَعَ النملِ نُسْخَةٌ عن المُجْتَمَعَاتِ البَشريةِ والأمَمِ الإنسانية!.

هذا الذي تَوصلَ إليهِ الباحِثُونَ مُهمٌّ ولا رَيبَ!؛ وأهمُّ من هذا كُلِّهِ مَعْرِفَةُ السنَنِ القدَريةِ الكَوْنيّةِ التي قامَ عليها نِظامُ الكونِ والحياةِ؛ فهيَ تَحْكُمُ أمّةَ البَشَرِ كما تَحْكُمُ غيرَها من الأُمَم!؛ ويَشتَركُ الجَميعُ فيها كما أن البَشَرَ يُشارِكُونَ ِغيرَهم من الأمَمِ المَخْلوقَةِ في أسْبابِ البقاءِ والحياةِ وتَعاطِيها.

وإنما قُلتُ ذلك؛ لأَنَّه مِنَ الضروريٌّ أن تَعْلمَ أن كلّ دَعْوَةٍ تَصادِمُ قانُونَ الحياةِ وتَخْرِقُ السنَّةَ الكَونِيَّةَ القدرية فقدْ حَكَمَتْ على نَفْسِها بالفشلِ والفناءِ قبلَ أن تُولد!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت