ونحنُ لم نَعْقِدْ هذهِ (المُسامُرَةَ) للحديثِ عما أفادَتْ البَشَريَّةُ كُلُّها - وليسَ المُسْلِمُونَ وَحْدَهمْ فَحَسْبُ- مِنْ مَفاتيحِ الكُنُوزِ المَعْرِفيَّةِ التي دَلَّ عليها الوَحيانِ الشريفان؛ فذاك حديثٌ يَسْتَغْرقُ مُسامَراتٍ ومُسامَراتٍ؛ لكنْ من الحكمَةِ أن لا نَدَعَ شيئًا في الحياةِ يَمُرُّ مُجَازَفَةً دُونَ اعْتِبار!.
كنْزُ الحِكْمَة:
عُدْنا وإياكَ إلى قصّةِ الفَرِيقَين؛ فقلْ لي:
-ما الحامِلُ لهاتين الأُمّتينِ على خَوْضِ حرْبٍ ضروسٍ تأتي على الأَخْضَرِ واليابِس؟!.
-أتُراهُنِّ يَتَنازَعْنَ على مِياهٍ إقْليمِيَّةٍ؛ أم حُقولِ نفطٍ؛ أم حُدُودٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَ البلَدَينِ؛ أم على السيادَةِ الدُّوَليَّةِ لكلٍّ مِنْهما؟!.
-أليسَتْ المسألَةُ فيما يَبْدُو لنا لا تَعْدوا حباتٍ من القمحِ أوْ مَسْكَنًا مِنْ مساكِنِهم؟!.
-وماذا عليهنّ لو شَرّقتْ أمةٌ وغَرّبتْ أُخْرى حتى تَباعَدَتْ الديارُ ونأتِ الأقطار وعِشْنَ في أمْنٍ وسلامٍ مِنْ نَكباتِ الحروبِ ووَيلاتِها؟!.
-وهل يُمْكِنُ أن يكونَ في الأُمتَينِ أمةٌ مَقهورةٌ مظلومةٌ يُنْتَقَصُ من أَطْرافِها الشيءُ بعدَ الشيءِ؛ وتُنْتزَعُ منها حُقُوقُها المادِّيَّةُ والمَعْنَويةُ؛ ثم تَطالَبُ بعدَ هذا كلِّهِ بِأنْ تَرْضى عن الظالِمِ وأنْ تُقاسِمَهُ الأرضَ والمالَ وحتى العِرْض؟!!.
بَناءُ الكَونِ والخلْقِ على النَّقصِ إلا ما شاءَ الله؛ والكمالُ لله وحده، وقد اقْتَضَتِ الحِكمَةُ أن تَكونَ الدنيا دارَ النصَبِ والتعبِ؛ بِحَيثُ لا يُنالُ منها شيءٌ مع رَاحَةِ الجسَد، حتى ما يَظُنُّهُ الناسُ بادِيَ الرايِ من الراحَةِ فَهُوَ على خِلافِ ما يَظنونَ عَندَ قليلِ التفَكُّرِ والتأَمُّل!؛ وطَلَبُ غَيرِ هذا مِن الدنيا هو طََلَبُ عالمٍ آخَرَ سِوى الذي نَعيشُ فيه!.
ثمَّ إن النفعَ والضررَ في هذه الحياةِ قلَّ ما يَنْفصلُ أحدُهما عنِ الآخر؛ ولذا اتفقتْ كلِمَةُ العُقلاءِ على أنَّ الحُكْمَ للراجحِ مِنْهما، فيَيُحْتَمَلُ الضررُ الأقلُّ تَحْصيلًا للغالِبِ من النفع؛ ويُدْفعُ الضررُ الأغْلبُ وإن فاتَ معه بعضُ المنافع، وإنما مثلُ ذلك كالشمسِ؛ فإن ما فيها من عِظيمِ المَنْفعَةِ للمَخْلوقاتِ بِضَوئها وحرارَتِها يَجْعلُ الضررَ الحاصِلَ مِنها أحيانًا - كَكَوْنِها سببًا في إحياءِ بَعضِ الجراثيمِ مثلا؛ أو لإتلافِ شيءٍ من المحاصيل؛ أو الإصابَةِ بالحمّى؛ وغيرِ ذلك - عدمًا أو كالعَدم.
هكذا سُنةُ التدافعِ؛ أو ما نَسْتَعِيرُهُ فِي هذا المَوْضِعِ للدلالَةِ عَلَى هذا المعْنَى مِمّا يُسَمّى بالصراعِ لأجْلِ البقاء!؛ فإن حكمةَ الله عز وجلّ قد اقتضتْ بقاءَ الحياةِ على هذه البسيطَةِ إلى ما شاءَ ٍسُبْحانه؛ يذهبُ جيلٌ ويَخْلفُهُ آخرُ!؛ وتذهبُ أمةٌ لِتَحلَّ مَحَلها أُخرى، ولولاَ ذلكَ لصارَ مَوضعَ القدَمِ ألفُ قدم!؛ وأصبَحتْ الحياةُ على وَجْهِ الأرضِ جحيمًا لا يُطاقُ!.
جواهرٌ في فَمِ حَيَّةٍ!!:
والذي يُوصِلُ إلى المَطْلوبِ أن تَعلمَ أنّ الإنسانَ مركبٌ من جسدٍ وروح، فهو يَجْمَعُ بينَ الكثافَةِ في الأولِ واللطافَةِ في الثانِي، وتَبِعَ هذا التركيبَ من المادتينِ تَفاوتٌ بين الناسِ في الصفاتِ والطبائع!، والكثافَةُ يُناسِبُها الشدةُ والغلظةُ والغضبُ ونحو ذلك من الصفات؛ والأخرى يُناسِبُها الرقةُ والرحمةُ والحُلُمُ ونَحْوها!؛ وما غلبَ من المادتينِ لِتَمَكُّنِ تلكَ الطباعِ منها صارَتْ الثانِيةُ تَبَعا لها، والناس بعد ذلك مُتفاوِتُونَ في المراتب.
والاعْتِدَالُ هو الوَسَطُ من ذلك؛ بِحَيثُ تَجْتَمِعُ الصفاتُ في الإنسانِ على وجهٍ يَحْصلُ معَهُ التوازنُ فلا يَطْغَى جانِبٌ على آخر، والشرعُ جاءَ مُطابِقًا لهذا!؛ فتَراهُ يَنْهى عن الجزعِ والسَخَطِ عِندَ المُصيبَةِ؛ ويأذنُ في دَمعِ العينِ وحُزْنِ القلب!، ويأمُرُ بالإكثارِ من الذكرِ عندَ القتالِ؛ لأنّ الأولَ سببُ الرقَّةِ؛ ومُخالَطَةَ السلاحِ سببُ القسوة!، ومِنْ أسماء النبي صلى