التِي نَفَّذها (جَمال بَاشَا) فِي سُورِيا، لَمْ يَكُنْ يَهْدِفُ مِن وَراءِ ذلكَ إِحْياءَ فَضِيلَةٍ ولا نَشْرَها!، بل كانَ يَرْمِي إلَى تَمْزِيقِ الأُمَّةِ وشَتاتِها، وإبْعادِها عَنِ الإسْلامِ الذِي هُوَ سِرُّ بَقائِها وقُوَّتِها.
والحَقُّ أَيْضًا أَنَّ الغُزَاةَ المُسْتَعْمِرِينَ لا تَسْتَقِيمُ لَهُمْ أَهْدافُهُمْ إِلاَّ بِأَمْرَينِ:
-أَنْ تَفْقِدَ الأُمَّةُ (المُسْتَعْمَرَةُ) - بِفَتْحِ المِيمِ - شَعُورَهَا بالسِّيادَةِ؛ وتَرْضَى بِالتَّبَعِيَّةِ والانْقِيادِ (العُبُودِيَّةِ) لِغَيرِها!.
-وأَنْ يُحافِظَ الغُزَاةُ (المُسْتَعْمِرُون) عَلى قُوَّتِهِم العَسْكَرِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ، مَعَ إِبْقاءِ الشُّعُوبِ المَقْهُورَةِ علَى ما هِيَ عَلَيْهِ؛ حَتَّى ولَو احِتِيجَ إلَى إِعادَةِ قَهْرِها آنًا بَعْدَ آن!.
أَما كَيفَ صَنَعَ المُسْتَعْمِرُ بِأُمَّتِنا ذلكَ، فَأمْرٌ لا تَتَّسِعُ لَهُ هَذهِ المُسامَرَةُ!، فَإِنَّهُ يُحْوِجُنا إلَى الحَدِيثِ عَن المُؤامَرَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ بإقْصائِها وإلْغاءِ سِيادَتِها، والذِي يَعْنِي القَضاءَ علَى سِيادَةِ الأمَّةِ ولا بُدَّ!، وإلاَّ فَأَيُّ مَعْنَىً لإِلِغاءِ قانُونِ الشّرْعِ - الذِي يَعْنِي سِيادَةَ الأُمَّةِ - ثُمَّ فَرْضِ قانُونِ (المُسَتِعْمِرِ) سِوى سِيادَةِ (المُسْتَعْمِرينَ) ؟!.
كَما يُحْوِجُنا إلَى الحَديثِ عَنِ المُؤامَرَةِ علَى الوِحْدَةِ الجامِعَةِ للأُمَّةِ، وعَلَى تارِيخِنا، ولُغَتِنا، وثَقافََتِنا، بلْ وعلَى قِيَمِنا، ومَبادِئِنا، وأخْلاقِنا، فَما الذِي نَاتِيهِ مِن ذلكَ وما الذي نَدُعُه؟!.
وما أَبْلَغَ الوَصْفَ النَّبَوِيَّ فِي قَولِهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ يَصِفُ الزَّحْفَ الاسْتِعْمارِيَّ وتَكالُبَ الأُمَمِ عَلَيْنا بِقَوْلِهِ: (تَداعِيَ الأكَلَةِ إلَى قَصْعَتِها!) ، فِإنَّ شَانَ الأَكَلَةِ أَلا يَتْرُكُوا فِي القَصْعَةِ شَيئًا، وأَلا يَدَعُوا جُزْءًا إلاَّ وتَناوَلُوه!، وقَدْ فَعَلُُوا - لَولا أَنَّ اللهَ سَلَّم، وَحَسْبُكَ أنْ أُشيرَ هُنا إلَى مَسْألَةٍ واحِدَةٍ لَها تَعَلُّقٌ بِما نَحْنُ فِيهِ؛ وهِيَ: مَسْأَلَةُ (الرَّقِيق) ، فَإنَّ أُورُوبا حِينَ سَعَتْ إلَى إِلْغائِهِ ومُحارَبَتِهِ والمَنْعِ مِن التجارَةِ فِيهِ لَمْ يكُنْ ذَلكَ لِدَوافِعَ إنْسانِيَّةٍ كَما يُقالُ، بَلْ لأَنَّ النظامَ الإقْطاعِيَّ الذِي كانَ سائِدًا هُناكَ بَاتَ سَبَبًا لِرُكُودِ الحَياةِ الاقْتِصادِيَّةِ، فَما دَامَ المَمَالِيكُ العَبِيدُ يَجِدُونَ قُوتَ يَومِهِمْ فَذلكَ مَدْعاةُ للتَّكاسُلِ؛ وَلَنْ يُكَلِّفُوا أَنْفُسَهُمْ مَشَقَّةَ العَمل - كَما وَقَعَ فِي النِّظامِ الشُّيُوعِيِّ تَمامًا -؛ فَرَأَى النظامُ (الراسمالِيُّ) هُناكَ أنَّ فِي تَحْرِيرِهِم رَفْعًا لِكَفاءَتِهِمْ فِي العَمَلِ وسَدًّا لِحاجَةِ المَصانِعِ للأَيدِي العامِلَةِ، ولَوْ كانَ ما يُقالُ مِن دَوافِعِ تَحْرِيرِهِ صَحِيحًا - عَلَى ما فِيه - لَما استَعْبَدَت البلادُ المُسْتَعَمِرَةُ فِي القَرْنِ نَفْسِهِ أُمَمًا مِن البَشَرِ اسْتِعْبادًا لا يَزَالُ العالَمُ يَجْنِي آثارَهُ إلَى يَوْمِنا هَذا!.
بَلْ إنَ بَرِيطانْيا حِينَ سَعْتْ فِي ذلكَ وأًصْدَرَتْ بِهِ قانُونًا عامّا سَنَةَ (1807) يَمْنَعُ الاتِّجارَ بِهِ، كانَتْ تُرُيدُ مِن وَراءِ ذلكَ التَّضْيِيقَ علَى المُسْتَعْمَراتِ الأمْرِيكِيَّةِ التِي اسْتَقَلَّتْ عَنْها؛ والتِي تَعْتَمِدُ فِي الأَيْدِي العامِلَةِ علَى الرَّقِيقِ المُجْلُوبِ مِن غَرْبِ أفْرِيقيا، ولأَنَّها رَأتْ - مَعَ الدُّولِ المُسْتَعْمِرَةِ التِي اقْتَسَمَتِ القارَّةَ السَّودَاءَ - أنَّ مَشارِيعِ الاسْتِثْمارِ دَاخِلَ أفْرِيقيا أكَثَرُ مَنْفَعَةً ورِبْحًا وهُو بِحاجَةٍ إلَى الأَيْدِي العامِلَةِ هناك، ثُمَّ إنَّها وَجَدَتْ فِي ذلكَ فَرْصَةً لِفَرْضِ سَيطَرَتِها علَى خُطُوطِ المِلاحَةِ البَحْرِيَّةِ وتَفْتِيشِ السُّفُنِ، ومِنْها السُّفُنُ العُثْمانِيَّة!!.
وأَهَمُّ مِنْ هَذا - وهُوَ بِيتُ القَصِيدِ كَما يُقالُ - أنَّ (المُسْتَعْمِرِينَ) أَو (الغُزاةَ) هُؤلاءِ لَمَّا قَدِمُوا بِلادَنا ورَأَوا هَذا النِّظامَ قائِمًا فِيها عَلَى أُسُسٍ لا عَهْدَ لَهُمْ بِمِثْلِها مِن قَبْلُ؛ وكَانَ مِن حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِي فِي هَذا (تَربِيَةُ الشُّعُورِ بالسِّيادَةِ) فِي نَفْسِ المُسْلِمِ؛ حِينَ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِرِعايَةِ شُئُونِ العَشَراتِ مِن المَمالِيكِ تَحْتَ يَدَهِ!؛ مَامُورًا بِصَلاحِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ؛ مَنْهِيّا أشدَّ النَّهْيِ عَن ظُلْمُهِمْ وبَخْسِ حَقَّهِمْ وعَن تَكِلِيفِهِم ما لا يُطِيقُون!، وذلكَ لا يَتَّفِقُ مَعَ أَهْدافِ الغَزاةِ؛ غاظَهُمْ ذلكَ وسَعَوا إلَى مَنْعِهِ تَحْتَ شِعارِ (التَّحْرِير!) ، كَما غاظَهُمْ نِظامُ (تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ) !؛ حَيثُ يَرَوْنَ أبْناءَ القَبائِلِ لِكُلٍّ مِنْهمْ عَدَدٌ مِن الزوجاتِ! وَعَدَدٌ كَبِيرٌ مِن الأَبْناء! ومَعَ هَذا عَشراتٌ مِن العَبِيدِ!!؛ والسَّيِّدُ قَائِمٌ (كالدِّيكِ!) بَيْنَهُمْ، فَقَامُوا بِفَرْضِ ضَرِيبَةٍ! يُؤَدِّيها الرَّجُلُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن أَولادِهِ كَما فَعَلُوا مَعَ القَبائِلِ فِي السودانِ؛ والغايَةُ مِن وَراءِ ذلكَ تَحْديدُ