النَّسْلِ ما أَمْكَن!، ولَو وَسِعَهُمْ تَطْبِيقُ (فَلْسَفَةِ شُوبِنْهَوَر) فِي بِلادِنا؛ والذي أخَذها عنْ الفَلْسفاتِ الهِنْدِيَّةِ القَدِيمَةِ؛ والقاضِيَةِ بِوقْفِ النَّسْلِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا! لَفَعَلُوا ولَمْ يَتَرَدَّدُوا قَلِيلا ولا كَثيراَ.
وأَيْضًا فَتَحْرِيرُ آلافِ العَبِيدِ هكذا دَفْعَةً واحِدَةً! يَخْلُقُ ولا بُدَّ حالَةً عَظِيمَةً مِن الفَوْضَى؛ تَنْتَشِرُ مَعَها الجَرائِمُ وفَسادُ الأَخْلاقِ؛ لِبَقاءِ هَذهِ الألُوفِ بِلا عَمَلٍ ولا مُعِيلٍ، وتِلْكَ حَالٌ تَخْدِمُ أَهْدافَ (المُسْتَعْمِرين) .
-أَعْلَمُ أَنَّ أُمَّتَنا لَمْ يَنْقَطْعْ مِنْها الخَيْرُ فِي يَومٍ مِن الأَيام، ولَقَدْ وَقَفَ فِي وَجْهِ هَؤلاءِ الغُزَاةِ رِجالٌ اضْطَلَعُوا بِدَوْرٍ كَبِيرٍ فِي دَحْرِهِمْ عَنْ بلادِ المُسْلِمِين، كَما وقَعَ فِي أَنْدُونِيسْيا فِي أوائلِ القَرنِ التاسِعِ عَشرَ الميلادِي فِي مَحارَبَةِ الاسْتعمارِ الهُولَنْدِي، وفِي الهِنْدِ ضِدَّ الاسْتِعمارِ الإنْجلِيزيِ عَلى يَدِ الشيخِ أحْمَدَ عِرفان رَحِمَهُ اللهُ الذي قُتِلَ بِمُؤامَرَةِ من السيخِ والإنْجِلِيزِ عامَ (1246) للهجَرة، وفِي الجَزائِرِ ضِدَّ الحَمْلَةِ الفِرَنِسِيَّةِ فِي (1245للهِجَرَة؛ أو: 1830م) ؛ علَى يَدِ الأمِيرِ عَبْدِ القادِرِ الحُسَينِيِّ؛ إلَى (جَمْعِيَّةِ العُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ الجَزَائِرِيِّينَ) التِي رَأسَها عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ بَادِيسَ المُتَوفَّى سَنَةَ (1359) -، وكذلكَ فِي مِصْرَ وَقْتَ حَمْلَةِ نابِلْيُونَ في (1798) ؛ ثم بِريطانيا فِي (1882 إلى 1914) ، وفِي غَيرِها مِن أَمْصارِ المُسْلِمِينَ.
غَيْرَ أَنَّنِي بِتُّ عَلَى يَقِينٍ الآنَ يا سَيِّدِي مِنْ أَنّ الرِّقَّ الحَقِيقِيَّ هُوَ رِقُّ النُّفُوسِ والعُقُولِ لا رِقُّ الأَبْدانِ!، فَكَمْ مَرَّ فِي تارِيخِنا مِن مَمْلُوكِ البَدَنِ لَكِنَّهُ سَيِّدٌ عَظِيمٌ فِي نَفْسِهِ وأُمَّتِهِ!، ولَنِعْمَ ما قالَ ابْنُ الهَبَّارِيَّةِ الشاعِر: بَعْضُ العَبِيدِ حُرٌّ؛ وبَعْضُ الكَلامِ دُرّ!، واليَوْمَ أَتَى عَلَيْنا دَهْرٌ نَرَى فِيهِ (ولا نَزَالُ) كَثِيرِينَ مِمَّنْ حَوْلَنا أَحْرارَ البَدَنِ لكِنَّهُمْ رَقِيقُ النُّفُوس!؛ مُكَّبَّلُونَ بِأَصْفادِ التَّبَعِيَّةِ وأَغْلالِ الانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ مِن الأُمَم!؛ هُمْ سَبَبُ كُلِّ بَلاءٍ وَشَقاء، فَما أَحَقَّهُمِ بِقَولِ القائلِ:
لَيْسَ العَبِيدُ وإنْ تَشامَخُ أَنْفُهُمْ ... إِلاَّ مِن الخُدَّامِ والحُرَّاسِ.
ومَا أَحْرانَا بِأَنْ نُرَدِّدَ قَولَ إِبْراهِيمَ بنِ عَبْدِ الفَتَّاحِ (طوقان) :
شَهِدَ اللَهُ أََنَّ تِلْكَ حَياةٌ ... فُضِّلَتْ علَيْها حَياةُ العَبيدِ
أَصبَحَ المَوْتُ نِعْمَةً يُحسَدُ المَيْ ... تُ عَلَيها مُوَسّدًا فِي الصَعيدِ
أَلا إِنَّهُ الرِّقُّ والعُبُودِيَّةُ فِي ثِيابِ الحُرِّيَّةِ!؛ أَلا ساءَ أُولِئكَ سَادَةً؛ وساءَ هَؤلاءِ عَبِيدًا!.
كانَتْ هَذهِ الكَلِماتُ التِي نَطَقَ بِها (ياقُوتُ) إعْلانًا عَنْ قُرْبِ نِهايَةِ المُسامَرَةِ، لكِنَّها كانَتْ كَذلكَ إِيذانًا بِعَهْدِ جَديدٍ؛ جَعَلَتْ مِنْهُ رَجُلًا ماضِيَ العَزْمِ حَدِيدَ الإرَادَةِ!، فَبَاتَ كُلَّما سَمِعَ أَذانَ الفَجْرِ الأَولِ يَهُبُّ مِن فِراشِهِ ... وَيَصَلِّي ما شاءَ الله لَه، ثَمَّ يَمْسَحُ ناصِيَةَ فَرَسِهِ؛ ويَسْتَقْبِلُ مَطلِعَ الفَجْرِ!، فَلا يَزَالُ (مَرْجانُ) و (جُمانَةُ) يَسْمَعانِهِ يُرَدِّدُ قَولَ ابْنِ شِبْرِينَ الجٌذَامِيِّ:
لَئِنْ خَانَنَا الدَهْرُ الَّذِي كَانَ عَبْدَنا ... فَلاَ عَجَبٌ إِنَّ العَبِيدَ تَخُونُ ...
وَمَا غَضَّ مِنَّا مَخْبَرٌ غَيرَ أنَّنَا ... تَضَاعَفَ إِيمانٌ وَزَادَ يَقِينُ ...
وَقَفْنَا عَلَى فَضْلِ الإِلَهِ ظُنُونَنَا ... وَفِي فَضْلِ رَبِّي مَا تَخِيبُ ظُنونُ
فَلاَ يَرُدُّهُ عَنْ ذلكَ إلاَّ أَذاَنُ الفَجْرِ يُعْلِنُ عَنْ شُرْوقِ شَمْسِ يَوْمٍ جَدِيد.